من فيينا إلى آسيا الوسطى.. دعوات أممية لتمكين النساء والشباب كخط الدفاع الأول ضد الجريمة والعنف

نجاح حجازي
nagah hegazy

 دعوات أممية لتمكين النساء والشباب كخط الدفاع الأول ضد الجريمة والعنف

هاله المغاورى فيينا
في أروقة مركز الأمم المتحدة في فيينا، لم يكن الحديث هذه المرة عن العقوبات أو السجون أو الإجراءات الأمنية التقليدية، بل عن سؤال أكثر عمقًا: كيف يمكن منع الجريمة قبل أن تبدأ؟
هذا السؤال كان محور جلسة رفيعة المستوى نظمتها جمهورية أوزبكستان بالتعاون مع مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC)، ضمن أعمال لجنة الأمم المتحدة لمنع الجريمة والعدالة الجنائية، حيث اجتمع مسؤولون أمميون وخبراء دوليون وممثلون عن الحكومات ومنظمات المجتمع المدني وشبكات الشباب لمناقشة سبل بناء مجتمعات أكثر قدرة على مواجهة الجريمة والعنف من خلال الاستثمار في الإنسان.
الجلسة التي شاركت فيها شخصيات دولية بارزة، من بينها H.E. Saida Mirziyoyeva وH.E. Monica Juma وOliver Stolpe وDr. Kari Johnstone وDr. Alexandra Souza Martins وMag. Christine Muttonen، عكست تحولًا واضحًا في التفكير الدولي تجاه قضايا الأمن والعدالة، من التركيز على الاستجابة للجريمة بعد وقوعها إلى العمل على معالجة الأسباب التي تؤدي إليها من الأساس.
وخلال المناقشات، برزت قناعة مشتركة بأن النساء والشباب والأطفال لا ينبغي النظر إليهم باعتبارهم فئات معرضة للخطر فقط، بل بوصفهم شركاء حقيقيين في بناء الحلول. وأكدت H.E. Saida Mirziyoyeva أن التجربة الأوزبكية خلال السنوات الأخيرة سعت إلى ربط سياسات الأمن بالتعليم والتمكين الاقتصادي والاندماج الاجتماعي، انطلاقًا من أن المجتمعات التي توفر الفرص لأفرادها تكون أكثر قدرة على مقاومة الجريمة والتطرف والعنف.
أما H.E. Monica Juma، المديرة التنفيذية لـUNODC، فقد شددت على أن الشباب يمثلون قوة هائلة للتغيير إذا أُتيحت لهم الفرصة للمشاركة والقيادة. وأشارت إلى أن الجماعات الإجرامية والمتطرفة تدرك جيدًا كيفية استغلال مشاعر التهميش وفقدان الأمل، ما يجعل الاستثمار في التعليم والصحة النفسية والفرص الاقتصادية عنصرًا أساسيًا في منظومة الوقاية.
ولم يقتصر النقاش على التحديات التقليدية، بل امتد إلى المخاطر المتنامية في الفضاء الرقمي، حيث نبه المشاركون إلى تصاعد جرائم الاستغلال الإلكتروني والاتجار بالبشر والتجنيد عبر الإنترنت، مؤكدين أن بناء ثقافة رقمية آمنة أصبح جزءًا لا يتجزأ من جهود حماية الأجيال الجديدة.
وفي محور آخر، سلطت المناقشات الضوء على قضية الاتجار بالبشر، حيث أكدت ممثلة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا (OSCE) أن السياسات الناجحة يجب أن تستند إلى نهج يضع الضحايا والناجين في قلب عملية صنع القرار. وشددت على أن إشراك الناجين في تطوير السياسات والبرامج لا يحقق العدالة فحسب، بل يساهم في تصميم حلول أكثر واقعية وفعالية.
كما ناقشت الجلسة أهمية الأسرة والمدرسة والمجتمع المحلي باعتبارها البيئة الأولى التي تتشكل فيها قيم الأطفال والشباب. وفي هذا السياق، أوضحت Dr. Alexandra Souza Martins أن الوقاية تبدأ من الرعاية والدعم داخل الحياة اليومية، قبل أن تصل المشكلات إلى مراحل تتطلب تدخل أجهزة العدالة أو إنفاذ القانون.
ومن جانبها، ركزت Mag. Christine Muttonen على الدور المحوري للتعليم في بناء مجتمعات أكثر استقرارًا، مؤكدة أن الاستثمار الحقيقي لا يقاس فقط بالمشروعات الاقتصادية، بل بقدرة الدول على تمكين النساء والشباب ومنحهم الأدوات اللازمة للمشاركة في الحياة العامة وصنع القرار.
الحضور الشبابي كان أحد أبرز ملامح الجلسة. فقد عرضت Charoskhon Abdugofurova نتائج دراسات واستطلاعات إقليمية أجريت بين آلاف الشباب في آسيا الوسطى، وأظهرت الحاجة إلى تطوير سياسات أكثر قربًا من واقع الشباب وتحدياتهم اليومية. كما دعت إلى توسيع مساحة المشاركة الشبابية في صنع القرار تحت شعار «Nothing for us without us»، مؤكدة أن الشباب لا يريدون أن يكونوا موضوعًا للنقاش، بل طرفًا أساسيًا فيه.
وعلى مدار الجلسة، تكررت رسالة واحدة بصيغ مختلفة: الأمن لا يبدأ عند أبواب المحاكم أو داخل السجون، بل يبدأ في المدرسة، وفي الأسرة، وفي فرص العمل، وفي قدرة المجتمع على احتضان أفراده ومنحهم الأمل والكرامة وإمكانية المشاركة.
وفي ختام النقاشات، اتفق المشاركون على أن مواجهة الجريمة والعنف في القرن الحادي والعشرين تتطلب شراكات أوسع بين الحكومات والمؤسسات الدولية والمجتمعات المحلية، وأن الاستثمار في النساء والشباب والأطفال لم يعد خيارًا تنمويًا فحسب، بل أصبح ضرورة أمنية واستراتيجية لبناء مستقبل أكثر استقرارًا وعدالة واستدامة.
Share This Article
اترك تعليقا

شاركنا برأيك.. يسعدنا سماع وجهة نظرك

error: Content is protected !!