من جذور مصرية إلى قلب واشنطن.. عبد السعيد وحين تحوّل الحلم السياسي إلى «زلزال» انتخابي في ميشيغان

By nagah hegazy
عبد السعيد مرشح مجلس الشيوخ في انتخابات ميشيغان

بقلم: د/ رمضان بلال

لم تكن ليلة الرابع من أغسطس 2026 ليلة انتخابية عادية في الولايات المتحدة؛ ففي ولاية ميشيغان، إحدى الولايات الأكثر أهمية في الخريطة السياسية الأمريكية، خرج اسم عبد السعيد (Abdul El-Sayed) من دائرة المنافسة الحزبية إلى واجهة المشهد الوطني، بعدما انتزع ترشيح الحزب الديمقراطي لمقعد مجلس الشيوخ الأمريكي، في واحدة من أكثر الانتخابات التمهيدية إثارة للانتباه في البلاد. ، بعدما انتزع ترشيح الحزب الديمقراطي لمقعد مجلس الشيوخ الأمريكي، في واحدة من أكثر الانتخابات التمهيدية إثارة للانتباه في البلاد.

لم يكن الطريق مفروشًا بالورود؛ بل كان طريقًا طويلًا، بدأ ــ بحسب ما قاله عبد السعيد نفسه ــ منذ أبريل 2025، عندما شرع في بناء حملته «لبنة فوق لبنة»، كما عبّر في رسالته التي نشرها عقب الفوز.

وقد اختصر الرجل فلسفة حملته في فكرة شديدة الدلالة: استعادة الديمقراطية لتكون في خدمة الناس، وهي العبارة التي تمنح انتصاره بعدًا يتجاوز مجرد الفوز في انتخابات حزبية.

من خارج المؤسسة… إلى قلب المنافسة

عبد السعيد لم يكن عضوًا في مجلس الشيوخ، ولا صاحب تاريخ طويل داخل المؤسسة التشريعية الأمريكية؛ بل جاء إلى المعركة من خلفية مختلفة، فهو طبيب ومسؤول سابق في مجال الصحة العامة، وشغل منصب مدير الصحة في مقاطعة واين، كما سبق أن خاض انتخابات حاكم ميشيغان عام 2018.

وبعد سنوات من الابتعاد عن دائرة المنافسة الانتخابية الكبرى، عاد إلى المشهد السياسي، لكنه عاد هذه المرة بمشروع أكثر وضوحًا وطموحًا.

وما يجعل قصته مثيرة للاهتمام أن الرجل لم يدخل السباق باعتباره مرشح المؤسسة الديمقراطية التقليدية، وإنما بوصفه أحد أبرز وجوه التيار التقدمي داخل الحزب.

وفي النهاية استطاع أن يهزم النائبة هايلي ستيفنز بفارق ضئيل، في سباق وصفته وسائل إعلام أمريكية بأنه اختبار مهم للتيار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي.

«لبنة فوق لبنة»… سر الحملة

في عبارته التي نشرها بعد الفوز، يقول عبد السعيد:

«لقد بنينا هذه الحملة لبنةً فوق لبنة منذ أبريل 2025»

ليست مجرد عبارة انتخابية، إنها تلخيص لفلسفة سياسية كاملة؛ فالانتخابات الحديثة لا تُحسم دائمًا بالإعلان الكبير أو بالإنفاق الضخم، وإنما ببناء شبكة من المؤيدين، وإقناع الناخبين، وتكوين سردية سياسية قادرة على الصمود أمام الحملات المضادة.

وهذا تحديدًا ما حاول عبد السعيد فعله.

وقد جاء انتصاره في مواجهة إنفاق ضخم من أطراف خارجية، إذ أعلنت حملته أن السباق شهد إنفاقًا قياسيًا، بينما أشارت تقارير إلى أن الإنفاق الخارجي ضد حملته كان هائلًا.

دعمٌ له دلالته

بعد الفوز، ظهر عبد السعيد إلى جانب شخصيات ديمقراطية بارزة، من بينها رئيس الحزب الديمقراطي في ميشيغان كيرتس هيرتل، والسيناتورة مالوري ماكمورو، التي كانت في وقت سابق منافسة له في السباق.

وهنا تظهر أهمية العبارة التي كتبها:

«يشرفني أن أحظى بدعم رئيس الحزب كيرتس هيرتل والسيناتورة مالوري ماكمورو. فلنذهب ونحقق الفوز.»

هذه الكلمات لا تعكس فرحة مرشح بانتصاره فحسب، وإنما تكشف محاولة واضحة لإغلاق صفحة الصراع داخل الحزب وفتح صفحة جديدة استعدادًا للانتخابات العامة.

وبالفعل، بدأت قيادات الحزب الديمقراطي في ميشيغان التحرك باتجاه توحيد الصفوف خلف عبد السعيد استعدادًا للمواجهة القادمة.

ولكن… المعركة لم تنتهِ

وهنا يجب التوقف أمام نقطة مهمة حتى لا تختلط الصورة: عبد السعيد لم يصبح عضوًا في مجلس الشيوخ الأمريكي بعد، لقد فاز بالترشيح الديمقراطي فقط.

أما الانتخابات العامة، فهي المعركة الحقيقية التي ستحدد ما إذا كان سيحصل على مقعد ميشيغان في مجلس الشيوخ.

وسيواجه في نوفمبر المرشح الجمهوري مايك روجرز، في معركة تحظى بأهمية وطنية كبيرة، لأن نتيجة ميشيغان قد تكون مؤثرة في ميزان القوى داخل مجلس الشيوخ الأمريكي.

من مصر… إلى الحلم الأمريكي

ولعل الجانب الأكثر إثارة في قصة عبد السعيد بالنسبة إلى القارئ العربي والمصري هو خلفيته المصرية؛ فالرجل يمثل نموذجًا لابن مهاجر استطاع أن ينتقل من فضاء الأسرة والجالية إلى فضاء السياسة الأمريكية الكبرى.

وهنا تصبح قصته أكبر من مجرد انتخابات: إنها قصة عن الهجرة، والاندماج، وصناعة النفوذ، وتحول الأقليات من مجرد كتلة انتخابية إلى قوة سياسية قادرة على إنتاج المرشحين وصناعة الأجندة.

وفي ميشيغان تحديدًا، حيث توجد جالية عربية ومسلمة كبيرة، اكتسبت معركته اهتمامًا خاصًا.

لماذا أثار فوزه كل هذا الاهتمام؟

لأن عبد السعيد لم ينتصر فقط على منافس انتخابي، بل انتصر ــ في القراءة السياسية ــ على جزء من المؤسسة التقليدية للحزب الديمقراطي، ونجح في تحويل برنامجه التقدمي إلى قوة انتخابية حقيقية، ولهذا وصفت بعض التحليلات فوزه بأنه «لحظة مفصلية» للتيار التقدمي داخل الحزب.

كما أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دخل على خط المعركة السياسية مهاجمًا عبد السعيد، وهو ما يعكس حجم الاهتمام الوطني الذي بات يحظى به المرشح الديمقراطي.

الدرس الأهم

بعيدًا عن الاتفاق أو الاختلاف مع أفكار عبد السعيد السياسية، فإن تجربته تقدم درسًا مهمًا في صناعة الحملات الانتخابية:

  1. لا تبدأ من يوم التصويت… بل تبدأ قبل ذلك بعام وأكثر.

  2. تبني الفكرة.

  3. ثم تبني الفريق.

  4. ثم تبني الثقة.

  5. ثم تبني القاعدة الشعبية.

  6. ثم تأتي لحظة الاقتراع.

وهذا ما عبّر عنه عبد السعيد بكلماته البسيطة: «لبنة فوق لبنة»؛ وربما تكون هذه الجملة هي المفتاح الحقيقي لفهم انتصاره.

من «مرشح خاسر» إلى لاعب وطني

قبل سنوات، خسر عبد السعيد السباق التمهيدي للحزب الديمقراطي على منصب حاكم ميشيغان، لكن الخسارة لم تكن نهاية القصة، بل عاد إلى السياسة بعد سنوات وحوّل تجربته السابقة إلى رأس مال سياسي جديد.

وهنا تكمن إحدى أهم قواعد السياسة: الخسارة الانتخابية قد تكون نهاية مرشح… لكنها قد تكون بداية رجل سياسي.

عبد السعيد اختار أن يجعلها بداية، واليوم أصبح مرشح الحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ميشيغان، بعدما تجاوز واحدة من أصعب العقبات داخل حزبه.

وفي انتظار نوفمبر…

الآن تبدأ المرحلة الأصعب؛ فالفوز بالترشيح الديمقراطي كان معركة داخل البيت السياسي، أما نوفمبر فهو صراع على المقعد نفسه.

وهناك سيختبر عبد السعيد قدرته على الانتقال من خطاب التيار التقدمي إلى خطاب يستطيع مخاطبة الناخب المستقل، والناخب المتردد، والطبقة العاملة، ومختلف مكونات المجتمع في ولاية ميشيغان.

فإذا نجح، فلن يكون قد فاز بمقعد في مجلس الشيوخ فحسب، بل سيكون قد صنع قصة سياسية ستتردد طويلًا في التاريخ الأمريكي المعاصر: رجل ذو جذور مصرية يصل إلى واحدة من أرفع المؤسسات السياسية في الولايات المتحدة.

لكن الطريق ما زال مفتوحًا، والحكم النهائي سيكون في صناديق نوفمبر.

الخلاصة

عبد السعيد لم «يعتلِ عرش ولاية أمريكية» بالمعنى السياسي الدقيق، بل حقق شيئًا آخر شديد الأهمية: اعتلى قمة السباق الديمقراطي على مقعد مجلس الشيوخ الأمريكي عن ولاية ميشيغان.

ومن هنا تبدأ الحكاية الحقيقية؛ فربما يكون ما حدث في أغسطس مجرد فصل أول من قصة أكبر… قصة رجل بدأ حملته «لبنةً فوق لبنة»، ونجح في الوصول إلى أبواب واشنطن.

ويبقى السؤال: هل تتحول هذه اللبنة الانتخابية إلى مقعد في مجلس الشيوخ الأمريكي في نوفمبر؟

ذلك هو السؤال الذي ستجيب عنه صناديق الاقتراع.

Share This Article
Leave a review

شاركنا برأيك.. يسعدنا سماع وجهة نظرك

error: Content is protected !!