في حضرة اسم الله اللطيف

By nagah hegazy

في حضرة اسم الله اللطيف

بقلم: د/ رمضان بلال

إذا ضاقت بك الأرض بما رحبت، وأغلقت الأبواب، وأحاطت بك الحيرة من كل جانب، فلا تظن أن الله قد نسيك؛ بل ربما كان يُدبِّر لك بلطفه ما تعجز العقول عن إدراك حكمته. فالله إذا لطف، أخفى لطفه في ثنايا الأقدار، وجعل رحمته تتسلل إلى قلبك كما يتسلل الفجر إلى عتمة الليل، فيبدد الوحشة دون أن تشعر كيف جاء النور.

اللطيف… اسمٌ إذا سكن القلب، سكنت معه المخاوف، وإذا جرى على اللسان، انفرجت الكروب، وإذا امتلأت به الروح، أيقنت أن كل ما مضى، وكل ما يأتي، إنما هو بيد ربٍّ لا يختار لعباده إلا الخير، وإن خفيت عليهم وجوه الحكمة.

هو سبحانه يعلم السرَّ قبل أن يُهمَس به، ويعلم وجع القلب قبل أن تفيض به العيون، ويرى انكسارك الذي أخفيته عن الخلق، فيجبرك بلطفٍ لا يُرى، ويواسيك بعطاءٍ لا يُحس، ويقودك إلى أبواب رحمته من طرقٍ لم تخطر لك على بال.

كم من بلاءٍ صرفه عنك فلم تعلمه، وكم من مصيبةٍ حجزها عن طريقك فلم ترها، وكم من دعوةٍ أخَّرها ليمنحك خيرًا أعظم منها، وكم من أمنيةٍ انكسرت بين يديك، ثم أدركت بعد زمن أنها كانت عين النجاة.

ذلك هو لطف الله… ليس في العطاء وحده، بل في المنع، وليس في اللقاء وحده، بل في الفراق، وليس في الفرح وحده، بل في الدموع التي تغسل القلب حتى يصفو، وترد الروح إلى بارئها راضيةً مطمئنة.

قال تعالى:

﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾

فما أعمقها من آية، وما أوسعها من بشارة! إنها دعوة لأن نسلِّم قلوبنا لمدبر الأمر، ونوقن أن وراء كل قدرٍ لطفًا، ووراء كل تأخيرٍ حكمة، ووراء كل محنةٍ منحةً لا يراها إلا أهل البصائر.

وألطاف الله لا تُحصى؛ فهي أنفاسٌ تتجدد، ونعمٌ تتوالى، وأسرارُ رحمةٍ تغمر الوجود. ولو كشف الله لعباده كيف يحوطهم بلطفه في كل لحظة، لذابوا حياءً من تقصيرهم، ومحبةً لربهم، وشكرًا على فضله الذي لا ينقطع.

فاللهم يا لطيف، الطف بنا فيما جرت به المقادير، واجعل لنا من خفيِّ لطفك أوفر الحظ والنصيب، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، وأذق قلوبنا برد اليقين، حتى نراك في كل قدرٍ رحيمًا، وفي كل منعٍ كريمًا، وفي كل ابتلاءٍ قريبًا.

اللَّطِيفُ

يَا لَطِيفُ، وَقَدْ أَضْنَى الفُؤَادَ أَنِينُهُ … فَبِلُطْفِكَ الرَّبَّانِيِّ يَبْرَأُ دِينُهُ

أَنْتَ الَّذِي تَخْفَى اللَّطَائِفُ فِي الْقَضَا … وَبِحُسْنِ تَدْبِيرِ الْأُمُورِ تَكُونُهُ

كَمْ كُرْبَةٍ كَانَتْ تُحِيطُ بِمُهْجَتِي … فَمَحَوْتَهَا، وَالصَّبْرُ حِينَئِذٍ عَوْنُهُ

وَكَمِ ابْتِلَاءٍ ظَنَّهُ الْقَلْبُ الشَّقَا … فَإِذَا بِهِ فَضْلٌ يُضِيءُ شُؤُونَهُ

مَا خَابَ عَبْدٌ قَدْ تَوَكَّلَ صَادِقًا … إِلَّا وَرَحْمَتُكَ الْكَرِيمَةُ صَوْنُهُ

تَأْتِي الْعَطَايَا مِنْ خَفِيِّ عِنَايَةٍ … حَتَّى يَظُنَّ الْمَرْءُ أَنَّكَ عَوْنُهُ

إِنْ غَابَ عَنْ عَيْنِي الطَّرِيقُ فَإِنَّنِي … أَدْرِي بِأَنَّكَ لِلضِّيَاءِ تَصُونُهُ

يَا رَبِّ، إِنِّي قَدْ طَرَقْتُ جَنَابَكُمْ … وَالْفَقْرُ بَيْنَ يَدَيَّ أَجْلَى لَوْنُهُ

فَاجْعَلْ لِقَلْبِي مِنْ لَطِيفِكَ رَحْمَةً … تُحْيِي الرُّوحَ، وَالْإِيمَانُ يَزْهُو غُصْنُهُ

وَاخْتِمْ لَنَا بِالرِّضْوَانِ يَا مَوْلَانَا … فَأَنْتَ اللَّطِيفُ، وَفَضْلُكَ مَأْمُونُهُ

Share This Article
Leave a review

شاركنا برأيك.. يسعدنا سماع وجهة نظرك

error: Content is protected !!