مِحْوَرُ الوَجْدِ وَهَنْدَسَةُ الحَرْف

تجربتي الشعرية بين صرامة المعادلة ورهافة القصيدة

By nagah hegazy
بقلم: أ. د. أحمد عبد الخالق سلامة

مؤسس المشروع العربي لأدب الرياضيات (الرياضيات الأدبية)

أستاذ الرياضيات وعلوم الحاسب بكلية العلوم – جامعة بور سعيد – مصر

أؤمن أن الكلمة يمكن أن تكون معادلة، وأن المعادلة قد تصبح أكثر جمالًا حين تُكتب بروح شاعر وأديب.

مَدَارُ البِدَايَة : عُلُوم 1986

في عام 1986، لم تكن مدرجات كلية العلوم بالنسبة إليَّ مجرد قاعاتٍ تتراص فيها المقاعد، ولا كانت السبورة مجرد مساحةٍ بيضاء تستقبل المعادلات والبراهين؛ كانت بالنسبة إليَّ فضاءً واسعًا للدهشة، ومختبرًا مبكرًا لاكتشاف العلاقة الخفية بين العقل والقلب.

كنت أجلس وقلمي بين أصابعي؛ أحيانًا يرسم معادلةً تبحث عن برهان، وأحيانًا أخرى ينسلُّ من صرامة الأرقام ليكتب بيتًا من الشعر، كأن القلم نفسه كان يعيش منذ ذلك الوقت بين عالمين: عالمٍ يريد أن يثبت، وعالمٍ يريد أن يبوح.

لم أرَ الرياضيات يومًا أرقامًا جامدة أو رموزًا بلا روح؛ رأيتها نظامًا بديعًا يشبه الموسيقى، وهندسةً خفية تنتظم بها الأشياء، ومساحةً واسعة للتأمل في الكون والإنسان والوجود.

وبينما كان بعض زملائي ينشغلون بحساب النهايات، كنت أتساءل عن اللانهاية ذاتها؛ عن ذلك الأفق الذي تعجز الأرقام عن احتوائه، وعن تلك المسافة المدهشة بين محدودية الإنسان وجلال الخالق.

ومن هنا بدأ السؤال الذي ظل يرافقني طويلًا:

لماذا نضع العقل في جهة، والقلب في جهة أخرى، وكأن بينهما حدًّا فاصلًا لا يُعبر؟

كان بكالوريوس العلوم عام 1986 بالنسبة إليَّ نقطة الأصل التي انطلقت منها إحداثيات رحلتي؛ فمن هندسة الأشكال تعلمت أن للمعنى أبعادًا، ومن قوانين التماثل أدركت أن للجمال نظامًا، ومن البرهان تعلمت أن الفكرة الجميلة لا يكفي أن تُقال، بل ينبغي أن تمتلك منطقها الداخلي.

وهكذا بدأت تتشكل في داخلي فكرة ستكبر مع الزمن:

إن البلاغة هندسةٌ للروح، وإن الرياضيات يمكن أن تكون لغةً أخرى للتأمل.

حين تفيضُ المعادلةُ بالبَوْح

لم تولد تجربتي الشعرية في لحظةٍ عابرة، ولم تكن نزوة قلمٍ تبحث عن مساحة للنشر؛ لقد بدأت همسًا، ثم تحولت إلى سؤال، ثم إلى تأمل، ثم أصبحت مع الزمن حاجةً داخلية لا أستطيع تجاهلها.

كنت أكتب لأن هناك أشياء لا تستطيع اللغة اليومية حملها، وأفكارًا لا يكتمل معناها إلا حين تتخذ شكلًا أدبيًا.

ولهذا أصبحت أرى:

الكلمة معادلة، والمعادلة تكون أجمل حين تتنفس بروح شاعر.

في عالمي الكتابي لا تتصارع صرامة البرهان مع رهافة الوجدان؛ بل يتجاوران.

العقل يمنح النص تماسكه، والقلب يمنحه حياته، والرمز يفتح أبوابه للتأويل، واللغة تمنح الفكرة جسدها.

أنا لا أكتب الشعر لأزين الفكرة، بل أكتب لأكتشف من خلاله ما تعجز الفكرة المجردة عن قوله.

فالقصيدة عندي ليست زخرفة لغوية، وإنما محاولة لإعادة ترتيب الفوضى الداخلية، وتحويل الشعور إلى بناء، والقلق إلى سؤال، والسؤال إلى معنى.

أبياتُ البرهان حين يصبح الحرفُ دليلًا:

تلكَ المعادلةُ التي صيغت لنا

بروحِ شاعرٍ في البيانِ تُجوَّدُ

فالحرفُ مثلُ الرقمِ في ميزانهِ

بصدقِ نبضٍ للمعالي يرشدُ

آخيتُ بينَ الجبرِ والشعرِ الذي

في نقطةِ الأصلِ العميقةِ يُولدُ

وهنا لم يعد الربط بين الرياضيات والأدب مجرد استعارة عابرة؛ بل أصبح منهجًا في النظر إلى النص، ومحاولةً لاكتشاف البنية الخفية التي تجعل العمل الأدبي قادرًا على البقاء.

مِعْمَارُ النَّص حين تدخل الرياضيات إلى النقد

مع مرور السنوات، لم أتوقف عند كتابة الشعر، بل حاولت أن أجعل من أدوات الرياضيات والفكر مدخلًا لقراءة الأدب وتحليل بنيته.

ومن هنا جاءت مجموعة من مشروعاتي ومؤلفاتي الفكرية، ومنها:

  • 1. تضاريس المعنى ومجرات النص: حاولت فيها النظر إلى التوبولوجيا بوصفها أكثر من علم للمساحات؛ لتصبح استعارةً ومنهجًا لرسم خرائط المعنى، وتتبع التحولات والانحناءات داخل النص الأدبي.

  • 2. خارطة نيوتروسوفية لشعر محمود درويش: تجربة بحثية حاولت من خلالها الاقتراب من مناطق الالتباس والغموض والتوتر داخل القصيدة، والنظر إلى العلاقة بين الاتساق والمفارقة بوصفها مساحةً ثرية للتأويل.

  • 3. لغز الخلود: رحلة عبر الزمن: رحلة في الأدب العربي عبر أزمنته المختلفة، بحثًا عن الثوابت الجمالية التي تتغير أشكالها، بينما تظل بعض جوهرها الإنساني حاضرًا.

  • 4. الوحي الإلهي والإعجاز الرياضي: مساحة للتأمل في العلاقة بين النص القرآني والرياضيات، من منظور يجمع بين التدبر والبحث في الأنماط والبنى والدلالات.

  • 5. ظلال اليقين: عمل روائي يحاول الاقتراب من الإنسان في منطقة التناقض، والبحث عن نقطة الاتزان وسط عالم لا يتوقف عن إنتاج الأسئلة.

هَنْدَسَةُ البَوْح تجربتي الشعرية

أما الشعر، فقد أخذ مني مساحةً أكثر حميمية.

وخلال الفترة 2021–2026 كتبت أكثر من 150 قصيدة، حاولت في كل واحدة منها أن أضع الشعور داخل بنية، وأن أجعل الفكرة نابضة، وأن أترك للرياضيات أن تظهر في النص لا كزينةٍ لفظية، وإنما كجزء من نسيجه.

فكانت هناك:

  • معادلة القلب: حيث يصبح الفقد مساحةً لها إحداثيات، ويصبح الغياب سؤالًا لا يجد له العقل نهاية.

  • خوارزمية العتاب: حيث يتحول الصمت إلى تسلسل من الأسئلة، ويبحث القلب عن حلٍّ لا توفره القواعد الجاهزة.

  • أنا اللانهاية: حيث تتجاوز الروح حدود القياس، ويصبح الجمال هو القاسم الوحيد الذي لا يقسم الإنسان.

  • برهان العزة وهندسة الإباء: حيث تتحول الزوايا إلى صمود، والخطوط إلى مواقف، والانكسار إلى محاولة جديدة لإعادة البناء.

من القصيدة إلى مشروعٍ أدبي

لم أعد أنظر إلى هذه الأعمال باعتبارها نصوصًا منفصلة، بل بدأت أراها أجزاءً من مشروع أكبر أسميته: أدب الرياضيات أو الرياضيات الأدبية، وهو مشروع يحاول أن يفتح حوارًا بين مجالين كثيرًا ما يُنظر إليهما باعتبارهما متباعدين:

  • العقل والوجدان.

  • الرقم والحرف.

  • البرهان والخيال.

  • الدقة والجمال.

وأنا لا أبحث عن تحويل الشعر إلى مسائل رياضية، ولا عن تحويل الرياضيات إلى قصائد؛ وإنما أبحث عن المنطقة الإنسانية المشتركة بينهما.

فالمعادلة تبحث عن الاتزان، والقصيدة تبحث عن الإيقاع؛ والمعادلة تحتاج إلى انسجام عناصرها، والقصيدة تحتاج إلى انسجام كلماتها؛ والرياضيات تبحث عن الحقيقة، والأدب يبحث عن الإنسان وهو يطارد الحقيقة.

مِحْوَرُ الوَجْدِ وَهَنْدَسَةُ الحَرْف

في تجربتي، أصبح الوجد هو المحور، وأصبحت اللغة هي الهندسة.

أستعين بالرقم حين يساعدني على رؤية المعنى، وبالرمز حين يعجز الوصف المباشر، وبالمعادلة حين أحتاج إلى اختصار فكرة طويلة، وبالقصيدة حين تصبح الفكرة أكبر من أن تُحاصر داخل تعريف.

ولهذا أكتب:

  • الشعر ليس أداةً لتزيين المعنى، بل كائنٌ حيٌّ نستطيع من خلاله أن نستمع إلى ما يقوله الصمت.

وأحاول أن أجعل الرمز قريبًا من الواقع، والفكرة قريبة من الشعور، دون أن يفقد أيٌّ منهما ملامحه.

فالوجدان بلا فكر قد يتحول إلى انفعال، والفكر بلا وجدان قد يتحول إلى جفاف؛ أما حين يلتقيان، فقد تولد منهما لغة ثالثة تشبه الإنسان.

أكثر من مِائَةٌ وَخَمْسُونَ قَصِيدَة وإحداثياتُ رحلة

كل قصيدة كتبتها كانت نقطةً جديدة على خريطة الرحلة.

في «معادلة القلب» حاولت أن أحسب مساحة الفقد.

وفي خوارزمية العتاب جعلت للصمت منطقًا يبحث عن مخرج.

وفي أنا اللانهاية تركت الروح تتجاوز حدود القياس.

وفي «برهان العزة وهندسة الإباء» جعلت من الصمود هندسةً داخلية للإنسان.

ثم جاءت أعمال أخرى مثل «مقامات النور»، و«حلم القلم»، و«قبل ضوء»، و«حفلة الأقنعة»، و«معادلة حواء»، و«أوسمة الصبر»، و«مقام الذات»، وغيرها من النصوص التي شكلت، مجتمعةً، ملامح تجربتي الأدبية.

وفي كل محطة كنت أعود إلى السؤال الأول:

كيف يمكن للحرف أن يقول ما يعجز عنه الرقم؟ وكيف يمكن للرقم أن يكشف جمالًا قد لا تراه العين في الحرف؟

اللانهاية ليست خاتمة

لقد بدأت الحكاية عام 1986 في مدرجات العلوم، لكنها لم تتوقف عند شهادةٍ أو وظيفةٍ أو كتابٍ أو قصيدة.

كانت تلك السنوات مجرد نقطة أصل.

ومن نقطة الأصل بدأت الخطوط تتفرع، وتعددت المسارات، واتسعت الإحداثيات، وكلما ظننت أنني وصلت إلى نهاية الطريق اكتشفت أن هناك فضاءً آخر ينتظر أن يُكتشف.

ولهذا لا أرى تجربتي الشعرية تجربة مكتملة، ولا أدعي أنني وصلت إلى تعريف نهائي للشعر أو الأدب أو حتى لأدب الرياضيات.

إنها رحلة مفتوحة نحو الجمال والحقيقة؛ رحلة يحاول فيها الإنسان أن يقول ما لا يستطيع قوله مباشرة، وأن يترك خلفه أثرًا يشبهه.

لقد بدأت الرحلة من الرياضيات، لكنها لم تنتهِ عند الأرقام.

بدأت من كلية العلوم، لكنها وصلت إلى مرافئ الشعر.

بدأت من نقطة الأصل، وما زالت دالة الإبداع تمتد نحو اللانهاية.

مَلْحَمَةُ الحَرْفِ وَالمَعْنَى

سكنَ المنطقُ في الحروفِ فأوردا

نبضًا بأبعادِ الشعورِ مجسَّدا

ما الشعرُ إلا دالةٌ وقودُها

وجدٌ على أفقِ البيانِ تمدَّدا

بدأت حكايتي بعلومِ مجدِنا

وبـ العلومِ رأيتُ فكري موقدا

في كلِّ حرفٍ كنتُ أبحثُ عن مدى

وفي الرياضياتِ رأيتُ له المدى

آخيتُ بين الجبرِ والحرفِ الذي

في نقطةِ الأصلِ العميقةِ يُولدا

ورأيتُ في التوبولوجيا خريطةً

ترسمُ للكونِ الجميلِ لنا المدى

والنيوتروسوفيا صارت عدسةً

تستنطقُ المناطقَ التي لا تُحدَّدا

والشعرُ عندي ليس ثوبَ زخرفةٍ

بل كائنٌ حيٌّ يضيءُ لنا الصدى

فالحرفُ مثلُ الرقمِ في ميزانهِ

إن صدقَ النبضُ استقامَ لهُ الهدى

ودالةُ الإبداعِ تمضي نحوَ ما

لا ينتهي… وتظلُّ تبحثُ عن غدِ

رحلةٌ بدأتْ بـ علومٍ في مدارجِنا

واليومَ صارت للحروفِ لها صدى

فإذا تلاقى العقلُ والقلبُ معًا

وُلدَ الأدبُ وكان الإنسانُ المدى.

الخاتمة:

ربما تكون هذه هي خلاصة تجربتي كلها:

لم أكتب الشعر لأهرب من الرياضيات، ولم أدرس الرياضيات لأبتعد عن الشعر؛ بل عشت بينهما حتى اكتشفت أن المسافة التي نظنها بين العقل والقلب قد تكون وهمًا صنعناه نحن.

فالرياضيات علمتني أن لكل شيء نظامًا، والشعر علّمني أن وراء كل نظام روحًا، والبحث علّمني أن السؤال قد يكون أهم من الإجابة، والحياة علمتني أن أجمل المعادلات هي تلك التي يكون الإنسان طرفها الأول وغايتها الأخيرة.

ولهذا أظل أكتب

أرسم بالرقم ما لا تستطيع العين أن تراه، وأرسم بالحرف ما يعجز الرقم عن وصفه، وأبحث في المسافة بينهما عن ذلك الشيء الجميل الذي أسميه: الرياضيات الأدبية حين يصبح العقل قلبًا، ويصبح الحرفُ معادلة.

Share This Article
Leave a review

"شاركنا برأيك.. يسعدنا سماع وجهة نظرك"

error: Content is protected !!