بقلم: حمد الترهوني_غرد بالمصري
مصر أولًا: لا تعني المسؤولية مجرد شغل موقع أو إدارة ملف، وإنما تعني امتلاك شجاعة الرأي، وأمانة الكلمة، والقدرة على المشاركة الفاعلة في صناعة القرار. فالدولة التي تواجه تحديات متشابكة، وتواصل بناء مؤسساتها، تحتاج إلى مسؤول يفكر ويطرح رؤيته ويستمع إلى غيره، لأن غياب الرأي في الوقت الذي تحتاج فيه الدولة إلى الخبرة قد يحرم صناعة القرار من رؤية أو معلومة مهمة.
ومن هنا جاءت رسالة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى المسؤولين، خلال اجتماعه مع رئيس مجلس الوزراء والوزراء والمحافظين وعدد من كبار المسؤولين والخبراء والعمد والمشايخ، عندما أكد أن «الإحجام عن الحديث أو طرح وجهة النظر أمر غير جيد، وبخاصة للمسؤولين».
هذه الرسالة لا تعني الحديث من أجل الحديث، وإنما تؤكد أن المسؤولية الحقيقية تفرض على صاحبها أن يكون حاضرًا بفكره، واضحًا في رؤيته، قادرًا على طرح ما يراه من حقائق وتحديات، وأن يشارك في الحوار عندما يكون الرأي ضرورة للوصول إلى قرار أكثر دقة وإحاطة بالواقع.
إدارة التباين والتنوع داخل مؤسسات الدولة
فالدولة لا تُدار بصوت واحد، وإنما تتقدم بتكامل الرؤى داخل إطار مؤسسي يجمع الجميع حول هدف واحد هو المصلحة الوطنية. وتعدد وجهات النظر، عندما يكون منضبطًا بالمسؤولية، لا يمثل انقسامًا، بل يمكن أن يكون عنصر قوة يساعد على كشف جوانب المشكلة، وطرح البدائل، وتحسين القرار.
فالمسؤول الذي يطرح رؤيته بوضوح، ويستمع إلى الملاحظات، وينقل إلى صانع القرار ما يراه على أرض الواقع، يشارك بصورة مباشرة في تطوير الأداء العام. أما الصمت بدافع الخوف من الاختلاف أو التردد في إبداء الرأي، فقد يؤدي إلى غياب معلومة أو رؤية كان يمكن أن تسهم في معالجة مشكلة أو تصحيح مسار.
والأهم أن إبداء الرأي لا يعني الخروج على الدولة، كما أن اختلاف الرؤى لا يعني اختلاف الغايات. فالمؤسسات القوية هي التي تستطيع إدارة التباين داخل قواعد العمل المؤسسي، وتحويل تعدد الأفكار إلى طاقة تساعد على الوصول إلى القرار الأكثر إحاطة بتفاصيل الواقع.
المعلومة الصحيحة والوعي المجتمعي لمواجهة الشائعات
وفي ظل التطور المتسارع في أدوات التأثير ونشر المعلومات، أصبحت مسؤولية الدولة لا تتوقف عند اتخاذ القرار، وإنما تمتد إلى شرحه والتواصل بشأنه وتقديم المعلومات الصحيحة للمواطنين. وقد أشار الرئيس إلى تطور الأدوات المستخدمة للإضرار بالدولة، مؤكدًا أهمية وعي المصريين في مواجهة هذه التحديات.
وهنا تصبح المعلومة الصحيحة جزءًا من حماية المجتمع. فالمواطن يحتاج إلى خطاب واضح ومعلومة موثوقة، والمسؤول الذي يمتلك الحقيقة لا ينبغي أن يترك فراغًا تتسع فيه مساحة الشائعة والتفسير الخاطئ. وكلما كانت المؤسسات أكثر حضورًا في التواصل، ازدادت قدرتها على توضيح الحقائق، وتصحيح الالتباس، وتعزيز الثقة بينها وبين المواطنين.
لكن مواجهة الشائعات ليست مسؤولية الدولة وحدها، فالمواطن شريك أساسي في معركة الوعي، من خلال التحقق مما يصله، وعدم الانسياق وراء مصادر مجهولة، والتمييز بين الخبر والرأي، وبين الحقيقة والتفسير.
كما أن جودة القرار لا تبدأ لحظة صدوره، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير؛ من إعداد الملف، ودراسة تفاصيله، والاستماع إلى أصحاب الخبرة والمصلحة، وطرح البدائل، ثم الوصول إلى القرار القادر على تحقيق المصلحة العامة بأكبر قدر ممكن من الدقة.
جودة القرار والمسؤول الشريك في صناعة الحلول
ومن هنا فإن المسؤول ليس مجرد منفذ لقرار، وإنما شريك في فهم المشكلة وصياغة الحلول وتقديم البدائل، ثم تحمل مسؤولية التنفيذ والتواصل مع المواطنين بشأن ما يتم اتخاذه من إجراءات.
وفي المقابل، فإن تماسك مؤسسات الدولة لا يعني غياب النقاش داخلها، بل يعني إدارة الاختلاف بصورة مؤسسية تحفظ وحدة الدولة، وتحول دون تحويل تباين الرؤى إلى صراع بين المؤسسات. وقد حذر الرئيس من محاولات إثارة المشكلات بين مؤسسات الدولة وتأليبها على بعضها، مشددًا على أهمية الحفاظ على الجبهة الداخلية وتماسك مؤسسات الدولة.
وهنا يجب التمييز بوضوح بين الاختلاف في الرأي والاختلاف على مصلحة الوطن. فالأول يمكن أن يكون طبيعيًا ومفيدًا إذا أُدير بالحوار والمسؤولية، أما المصلحة الوطنية فتظل الإطار الجامع الذي يجب أن تتحرك داخله كل الرؤى والمواقف.
ثقافة جديدة للعمل العام ترتكز على الحوار والوعي
مصر تحتاج اليوم إلى مسؤول يعرف متى يتحدث، ومتى يستمع، ومتى يطرح رأيه، ويملك الشجاعة لتحمل مسؤولية الكلمة والقرار. وتحتاج كذلك إلى مواطن واعٍ لا يصدق كل ما يراه أو يسمعه، وإلى إعلام يضع الحقيقة والدقة والمسؤولية في مقدمة أولوياته.
إن جوهر الرسالة هو ترسيخ ثقافة جديدة للعمل العام؛ ثقافة لا تجعل الخوف من الاختلاف سببًا في غياب الرأي، ولا تجعل تعدد وجهات النظر مدخلًا للصراع، وإنما توظف الحوار والخبرة والمعلومة في خدمة الدولة والمواطن.
فالأوطان لا تُبنى بالصمت وحده، ولا تتقدم بالتردد، وإنما بالعقول التي تفكر، والمؤسسات التي تتحاور، والمسؤولين الذين يتحملون مسؤولياتهم، والمواطنين الذين يدركون أن الوعي مسؤولية، وأن الكلمة قد تبني وقد تهدم.
ومصر أكبر من أن تختزل في شائعة أو منشور مجهول المصدر، وأقوى عندما تتكامل فيها المعلومة الصحيحة مع المسؤولية والوعي والعمل.
قد تختلف الرؤى وتتعدد وجهات النظر، لكن مصر تظل المساحة الأوسع التي تجمع الجميع، وتظل المصلحة الوطنية هي الهدف الذي يجب أن تتقاطع عنده كل الجهود.
مصر تحتاج إلى كلمة صادقة، ورأي مسؤول، وحوار هادئ، وعمل مخلص. تحتاج إلى مسؤول لا يحجم عن طرح وجهة نظره عندما يكون الوطن في حاجة إليها، وإلى مواطن يعرف قيمة الكلمة وخطورة المعلومة، ويضع مصلحة بلده فوق الانفعال والشائعة.
وفي حب مصر، لا مكان لليأس ولا للاستسلام؛ فالأوطان تُبنى بالصبر والعمل والوعي، وتحميها إرادة أبنائها وإخلاصهم.
