بقلم: أزهار عبد الكريم — غرد بالمصري
لم تكن زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى كوريا الجنوبية مجرد مرحلة جديدة في العلاقات المصرية الآسيوية بل تبدو كحلقة في مشهد اقتصادي أوسع يتغير فيه شكل وطريقة الاستثمار
فالمعادلة لم تعد مستثمر يأتي إلى مصر ليبيع فى السوق المصرية فقط و إنما أصبحت مصر نقطة انطلاق لإنتاج يصل إلى أسواق متعددة..
فمصر التي كانت تبحث عن المستثمر، اليوم تعمل على تقديم نفسها باعتبارها منصة استثمار وإنتاج وتصدير تستفيد من موقعها الجغرافي ومن شبكة متطورة من الطرق والموانئ والطاقة والمناطق الصناعية واللوجستية، وخاصة المنطقة الاقتصادية لقناة السويس..
ومن هنا يمكن فهم الحفاوة الكورية بالشراكة مع القاهرة.
فكوريا الجنوبية، بما تملكه من خبرات متقدمة في الصناعة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وبناء السفن والسيارات الكهربائية، لا تبحث فقط عن سوق جديدة ولكن تبحث عن بيئة تستطيع من خلالها إقامة صناعة وإنتاج و أيضاً الوصول إلى أسواق أوسع.
وفي المقابل، مصر لا تبحث عن رأس المال وحده وإنما تبحث عن نقل التكنولوجيا وتوطين الصناعة وخلق قيمة مضافة وفرص عمل وتأهيل العمالة المصرية.
ولذلك جاءت الشراكةالمصرية الكورية الجديدة لتشمل التصنيع والطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والمدن الذكية، إلى جانب تعزيز المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، مع بدء مفاوضات اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة بين البلدين.
لكن الصورة تصبح أكثر وضوحاً إذا خرجنا من كوريا إلى الخريطة العالمية.
فالمستثمر الآسيوي ينظر إلى مصر باعتبارها بوابة لأفريقيا والشرق الأوسط أما المستثمر الأوروبي فيرى قربها من الأسواق الأوروبية، بينما توفر قناة السويس طريقا استراتيجياً بين الشرق والغرب. وهكذا تتحول الجغرافيا المصرية من مجرد موقع على الخريطة إلى ميزة اقتصادية قابلة للاستثمار.
وأن ما حدث مع الاستثمارات الصينية يقدم لنا مثالا واضحا فقد أشارت الهيئة العامة للاستثمار في سبتمبر 2026 إلى وجود 3,366 شركة صينية تعمل في مصر فى قطاعات تمتد من المنسوجات والطاقة الشمسية والصناعات الكيميائية إلى السيارات والخدمات اللوجستية مع الإشارة إلى تجربة منطقة تيدا في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس كنموذج للتصنيع الموجه للتصدير.
ف مصر لا تستقبل استثمارات من قارة واحدة وإنما تحاول بناء شبكة اقتصادية تتصل بقارات متعددة.وهنا تكمن دلالة الشراكة مع كوريا
آسيا تأتي بالتكنولوجيا والصناعة، وأفريقيا تمثل سوقا واسعة، وأوروبا قريبة جغرافيا، وقناة السويس تربط طرق التجارة العالمية بينما تعمل البنية الأساسية المصرية على تحويل هذه المزايا من إمكانات نظرية إلى فرص استثمارية.
وهذا هو الفارق بين دولة تبحث عن استثمار ودولة تعمل على بناء بيئة استثمارية تجعل موقعها الجغرافي وبنيتها الأساسية وتكنولوجيا شركائها عناصر متكاملة في مشروع اقتصادي واحد.
وربما تكون زيارة الرئيس السيسي إلى كوريا واحدة من أوضح الصور لهذا التحول
التكنولوجيا الكورية تلتقي بالجغرافيا المصرية.. ومن نقطة الالتقاء يمكن أن تمتد الشراكة إلى ما هو أبعد من حدود البلدين.
