مَصْفُوفَةُ الدَّمِ الوَاحِدِ: بُرْهَانُ القِيمَةِ المُطْلَقَةِ

By nagah hegazy

قصة قصيرة: مَصْفُوفَةُ الدَّمِ الوَاحِدِ: بُرْهَانُ القِيمَةِ المُطْلَقَةِ

بقلم: أ. د. أحمد عبد الخالق سلامة

مؤسس المشروع العربي لأدب الرياضيات | أستاذ الرياضيات وعلوم الحاسب

في قاعةِ ميزانِ النُّور، حيثُ تلتقي حقائقُ الأرقامِ بوجدانِ البشر، وقفَ المنطقُ الرياضيُّ شامخاً أمامَ جَمْعٍ من الحكماءِ والسلاطين. كانَ العالمُ يضجُّ بصراعاتِ التحزبِ، والناسُ يتمايزونَ بألقابِهم، فتقدمتُ بصفتي مُهندسَ الكلمةِ ورسامَ المعادلة، وطرحتُ على الملأِ فرضيةَ البحث:

سَلِ المَنْطِقَ الرِّيَاضِيَّ عَنْ نَفَسِ البَشَر.. أَلَيْسَتْ جَمِيعُ الخَلْقِ نَاتِجُهَا القَدَر؟

سادَ الصمتُ، ففتحتُ مصفوفةَ العدالةِ الكبرى. رأيتُ في طرفِها (أميراً) مدججاً بجاهِه، وفي طرفِها الآخر (فقيراً) لا يملكُ إلا نبضَه. حاولَ البعضُ أن يضعَ للأميرِ مُعاملاً يرفعُ من قيمتِه، وللفقيرِ كسراً يُقللُ من شأنِه، فانتفضَ قلمي لِيخطَّ البرهان:

دِمَاءُ البَرَايَا فِي الحِسَابِ مَصُونَةٌ.. مُسَاوِيَةَ القَدْرِ.. لَا نَقْصَ وَلَا بَطَر

في مدرسةِ (أدب الرياضيات)، الدمُ ليس سائلاً بيولوجياً فحسب، بل هو ثابتٌ كوني. إنَّ استباحةَ دمِ فقيرٍ لِيحيا أميرٌ هي خرقٌ لقانونِ التساوي المطلق، وبغيٌ يجعلُ ناتجَ الفعلِ صِفراً في ميزانِ الأثر.

تأملتُ المشهدَ الداميَ في الخارج؛ حيثُ انكسرَ سهمُ الوئام، وانفجرت مصفوفاتُ التحزبِ فمزقتِ الأخوةَ والجيران. رأيتُ الإخوةَ يقتتلون، والجيرانَ يتربصون، فتساءلتُ بمرارة: أينَ الرحيم؟ وأين صِدقُ التعامل؟ لقد تآكلتِ المساحاتُ المشتركة لَّمَا غابَ الودادُ، وأصبحَ السلاحُ وجهاً للظلمِ لا يزيده إلا خطراً وتشتتاً.

عدتُ إلى مصفوفتي، وأمسكتُ بـ ميزانِ الحق. ناديتُ في الناس: قفوا عندَ حدِّ الحقِّ تنجوا. لقد جمعنا في هذه المصفوفة أنفساً (تساوتْ مقاماً)، لا فضلَ فيها لعنصرٍ على عنصرٍ إلا بـ مُتغيرِ التقوى ونقاوةِ الجوهر. وما دونَ ذلك من تمايزٍ طبقيٍّ أو حزبيٍّ ليس إلا (وَهماً اندثر) أمامَ شمسِ الحقيقة.

ختمتُ معادلتي بمدادِ الحب، ووضعتُ النقطةَ الأخيرةَ تحتَ قولٍ قد استقرَّ في لوحِ الخلود: فَالَّدَمُ وَاحِدٌ.

هكذا هي الرياضياتُ حينَ تلبسُ ثوبَ الأدب؛ تُعلمنا أنَّ الكسرَ في رُوحِ إنسانٍ واحدٍ هو كسرٌ في مصفوفةِ الوجودِ كُلِّها.

 

Share This Article
Leave a review

شاركنا برأيك.. يسعدنا سماع وجهة نظرك

error: Content is protected !!