نحن لا نعيش حياتنا.. نحن “ننتظرها”
بقلم: مريم جلال
تخيل أنك تقف على شاطئ البحر، لكنك بدلاً من أن تشعر ببرودة الماء تحت قدميك أو تستمع لصوت الموج، تقف مشدوداً إلى هاتفك، تحسب عدد الساعات المتبقية لانتهاء إجازتك، وتفكر في ضغط العمل الذي ينتظرك يوم الأحد، أنت هناك بجسدك، لكن روحك تسكن في “أسبوع العمل القادم”.
لقد أصبحنا “سياحاً في حياتنا”؛ نمر على تفاصيل أيامنا كأننا نمر على محطات قطار سريعة، لا نتذوق طعم القهوة لأننا نفكر في الاجتماع التالي، ولا نستمتع بحديث مع صديق لأننا مشغولون بتصفح الإشعارات التي تلاحقنا، نحن نعيش في حالة “ترقب دائم” لشيء ما سيحدث، بينما الحياة الحقيقية هي تلك التي تمر أمام أعيننا ونحن غارقون في “ربما” و”متى“.
سرقة الوقت من “جيبك” الخاص
المشكلة ليست في التخطيط للمستقبل، بل في “استئجار عقولنا” له بالكامل، نحن نعيش في “قفص التوقيت”؛ قضبانه من “ساعات ضائعة” نضيعها في القلق على ما لم يأت بعد.
في هذا القفص، أصبح الحاضر مجرد “ممر” عبور، لا نكلف أنفسنا عناء النظر إلى تفاصيله، نحن ننتظر عطلة نهاية الأسبوع لكي نعيش، وننتظر الراتب لكي نسعد، وننتظر التقاعد لكي نرتاح.. وكأننا نؤجل “وجودنا” إلى أجل غير مسمى.
الحاضر لا يعترف بـ “جدول أعمالك”
التصالح مع اللحظة ليس تهاوناً، بل هو “احتراف للحياة”، أن تدرك أن “الدقائق” ليست مجرد وحدات قياس للزمن، بل هي “خزينة” للذكريات التي ستشكل هويتك، الكدمات التي يتركها فيك القلق الدائم ليست “علامات الجدية”، بل هي ثقوب في رداء عمرك الذي يتمزق بينما أنت منشغل بإصلاحه قبل أن يكتمل.
كيف تعيد “النبض” إلى دقائك؟
اكسر “ساعة الرمل” في عقلك: توقف عن تحويل كل دقيقة إلى “مهمة”، اسمح لنفسك بالجلوس دون أن تفعل شيئاً، فقط لترقب كيف تتحرك الظلال على الجدار، هذه “اللا-فعل” هي التي تعيد شحن جوهرك.
عش “حواسك” لا “أفكارك”: في المرة القادمة التي تمشي فيها، لا تفكر في وجهتك، انظر إلى ألوان الأشجار، استمع لضجيج الشارع، اشعر بملامسة الهواء لوجهك، الحواس هي بوابتك الوحيدة للواقع، أما الأفكار فهي بوابتك الوحيدة للوهم.
احذف كلمة “سوف” من حياتك : “سوف أستمتع عندما..” هي أكبر كذبة نخدع بها أنفسنا، السعادة ليست مكافأة لنهاية طريق، هي الطريقة التي تمشي بها في الطريق نفسه، لا تؤجل “العيش” ليوم مثالي، ابحث عن الجمال في يومك العادي، الباهت، المزدحم.
مارس “الامتنان البسيط”: قبل أن تنام، لا تفكر فيما لم تنجزه غداً، بل تذكر تفصيلاً واحداً بسيطاً حدث اليوم وأسعدك؛ رائحة خبز، ضحكة طفل، كوب شاي دافئ، هذا التمرين البسيط يوقف “عجلة القلق” في عقلك.
الحياة ليست “ملفاً” يجب إغلاقه قبل الموعد النهائي، الحياة هي “قصيدة” تكتبها كل ثانية، عندما تتوقف عن محاولة “السباق مع الزمن”، ستكتشف أن الزمن ليس عدواً يطاردك، بل هو مسرح يتسع لكل ما في روحك من أحلام.
توقف عن “انتظار” الحياة.. ابدأ في “ممارسة” وجودك فيها الآن، فالدقائق التي تمر لا تسترد، وهي العملة الوحيدة التي تملكها لشراء “الخلود” في ذاكرة ذاتك.
