غُرْبَةُ الكَبِير
كلمات: حمدي عبدالوهاب
يا خسارة عَ الكبير
عاش عمره للغير
كان قنديل الليالي
ينثر النور الغزير
كل ما تشتد ريح
يبقى للناس النصير
وكل ما يعطش أمل
يفتح الباب الكبير
زرع في أرض المحبة
جنةٍ من ياسمين
وسقى غرس المودة
من عروق السنين
كان يخبّي دمع عينه
خلف ضحكة حالمين
ويشيل همّ اللي حواليه
قبل همه بسنين
كان نهرٍ ما يجفّش
مهما زاد الحرّ فيه
والسواقي تشهدله
كم جرى الخير بإيديه
والسنابل تحفظ اسمه
والحقول تغني عليه
والقمر فوق السطوح
كان يسلّم عليه
حتى الشجر كان يعرفه
من سلامه والعبير
وكان ظلّه وقت الشدة
للضعيف وللفقير
لحد ما الشيب اتسلّل
زي ضبابٍ للحياة
وانحنى غصن الليالي
من مواجع وحكايات
واكتسى وجه المراية
ألف ذكرى وآهّات
بعد ما كان ملء عين
بقى طيفٍ للذكريات
الباب ناسي دقته
والخطاوي والعبور
والكراسي المستنيّة
شايلة وجع الهجور
والجدار اللي سمع له
ألف شكوى وألف نور
بقى يحكي للصمت عنه
في الليالي والدهور
والساعة فوق الحيطة
كل دقّة فيها نار
تسأل الوقت البعيد
فين أصحاب المشوار؟
والشباك اللي استناهم
ذاب شوقه وانتظار
والندى فوق الزجاج
صار دموعًا وانكسار
فين ولاد الأمس راحوا؟
فين عهودهم والوعود؟
فين كلامٍ كان بيتقال
وقت ما كانت الورود؟
باعوا عمره في المزاد
للفُرقة والجحود
وسابوا قلبه وحيد
بين أساه والشرود
يا وجيع الطيب لمّا
يبقى طِيبه هو الذنب
ويبقى جزاه من الدنيا
بعد إحسانه التعب
أعطى من عمره بساتين
وحصد مرّ الغياب
كان ربيع الناس كلهم
وفي خريفه صار غريب
زي شمعة طول الليالي
تحرق الروح اشتعال
تنثر النور في العيون
وتعيش محرومة الوصال
أو كساقيةٍ بتسقي
كل فدانٍ وكل حال
ولما تعجز آخر العمر
ما تلاقيش السؤال
بس يبقى الخير خير
لو تغطّى بالتراب
ويبقى ذكر الرجال
فوق وشوش الغياب
واللي خان العِشرة يوم
واللي سدّ ألف باب
بُكرة يعرف إن ردّ الجميل
عند ربّ الناس حساب
ويبقى اسم الكبير
فوق جبين الوقت نور
زي نخيلٍ في الصحارى
شامخٍ رغم الهجير
كل ما تعصف رياح
يزداد صبره والحضور
ما يطول المجدَ جحودٌ
ولا يطاله الفتور
وتفضل السيرة الطيبة
عِطرها بين العصور
أما أهل الجحود يومًا
ما لهم غير النفور
دي الرجال تُقاس فعلًا
يوم تضيق بنا الدروب
والكبير يفضل كبير
حتى لو خانته القلوب.
