غُرْفَةُ الأَحْلَامِ الْمَنْسِيَّةِ (خَوَارِزْمِيَّةُ الْوَعْيِ الْمُتَجَدِّدِ)

By nagah hegazy
قصة: غُرْفَةُ الأَحْلَامِ الْمَنْسِيَّةِ (خَوَارِزْمِيَّةُ الْوَعْيِ الْمُتَجَدِّدِ)

قصة: غُرْفَةُ الأَحْلَامِ الْمَنْسِيَّةِ (خَوَارِزْمِيَّةُ الْوَعْيِ الْمُتَجَدِّدِ)

 
بِقَلَمِ: أ. د. أَحْمَدُ سَلَامَة
مُؤَسِّسُ الْمَشْرُوعِ الْعَرَبِيِّ لِأَدَبِ الرِّيَاضِيَّاتِ (الرِّيَاضِيَّاتُ الْأَدَبِيَّةُ)
 
فِي قَلْبِ الْمَدِينَةِ الَّتِي لَا تَنَامُ، حَيْثُ تَتَقَاطَعُ الشَّوَارِعُ كَمُتَغَيِّرَاتٍ حَسَّاسَةٍ عَلَى إِحْدَاثِيَّاتِ قَدَرٍ غَامِضٍ، كَانَ فَارِسُ يَعِيشُ حَيَاةً تَبْدُو ظَاهِرِيًّا عَادِيَّةً جِدًّا، مَحْصُورَةً فِي نِطَاقِ الْمَأْلُوفِ. لَكِنْ فِي دَاخِلِهِ الْعَمِيقِ، كَانَ هُنَاكَ كَوْنٌ مُتَوَلِّدٌ يَنْتَظِرُ أَنْ يُكْتَشَفَ، وَمُعَادَلَةُ وِجْدَانٍ تَبْحَحُ عَنْ حَلِّهَا الأَوَّلِ. لَمْ يَكُنْ فَارِسُ يَكْتُبُ الْقِصَصَ لِتَمْلَأَ الْوَرَقَ، بَلْ كَانَ يَكْتُبُ لِيَمْلَأَ تِلْكَ الْفَرَاغَاتِ الدَّلَالِيَّةَ الَّتِي تَرْكُكُهَا الحَيَاةُ فِي خَوَاءِ الأَرْوَاحِ.
ذَاتَ لَيْلَةٍ، وَبَيْنَمَا كَانَ يَعْبَثُ بِخَرَائِطَ قَدِيمَةٍ فِي مَكْتَبَةِ وَالِدِهِ الْمَهْجُورَةِ، تَعَثَّرَ بِبَابٍ صَغِيرٍ مُخْتَفٍ خَلْفَ رُفُوفِ الرِّوَايَاتِ الكْلَاسِيكِيَّةِ. لَمْ يَكُنْ بَابًا عَادِيًّا، بَلْ كَانَ مُغَطًّى بِطَبَقَةٍ مِنَ الغُبَارِ الرَّمْزِيِّ الشَّبِيهِ بِغُبَارِ النُّجُومِ. وَحِينَ دَفَعَهُ بِأَصَابِعَ مُرْتَجِفَةٍ، لَمْ يَجِدْ غُرْفَةً تَقْلِيدِيَّةً، بَلْ وَجَدَ أَمَامَهُ غُرْفَةَ الأَحْلَامِ الْمَنْسِيَّةِ؛ حَيْثُ تَتَخَاطَفُ الأَبْعَادُ وَتَنْحَنِي الزَّوَايَا.
كَانَتِ الْغُرْفَةُ مَمْلُوءَةً بِآلَافِ الزُّجَاجَاتِ الْمُلَوَّنَةِ الَّتِي تَتَحَرَكُ وَفْقَ نَسَقٍ هَنْدَسِيٍّ دَقِيقٍ. اقْتَرَبَ فَارِسُ بِبُطْءٍ، لِيَجِدَ أَنَّ كُلَّ زُجَاجَةٍ تَحْمِلُ اسْمًا: أُمْنِيَةٌ لَمْ تَتَحَقَّقْفِكْرَةٌ تَاهَتْ فِي مُنْتَصَفِ الطَّرِيقِضَحِكَةٌ أَخْفَتْهَا الدُّمُوعُ. وَحِينَهَا، أَدْرَكَ فَارِسُ أَنَّهُ لَيْسَ مُجَرَّدَ زَائِرٍ عَارِضٍ، بَلْ هُوَ جَامِعُ الْحِكَايَاتِ وَمُهَنْدِسُ مَسَارَاتِهَا.
بَدَأَ فَارِسُ يَفْتَحُ الزُّجَاجَاتِ وَاحِدَةً تِلْوَ الأُخْرَى، مُطْبِقًا عَلَيْهَا قَوَاعِدَ التَّحْلِيلِ الشَّعُورِيِّ. وَمَعَ كُلِّ زُجَاجَةٍ، كَانَتِ الْغُرْفَةُ تَمْتَلِئُ بِالأَصْوَاتِ المُرْتَدَّةِ؛ أَصْوَاتِ أُنَاسٍ تَمَنَّوْا شَيْئًا وَلَمْ يَجْرُؤُوا عَلَى قَوْلِهِ. شَعَرَ بِثِقْلٍ غَرِيبٍ يَغْشَى كَانُونَ قَلْبِهِ، لَكِنَّهُ كَانَ ثِقْلًا جَمِيلًا، ثِقْلَ الْحَقِيقَةِ الْمُطْلَقَةِ. جَلَسَ عَلَى الأَرْضِ، وَفَتَحَ دَفْتَرَهُ الكَبِيرَ، وَقَرَّرَ بِإِرْدَادٍ حَاسِمٍ أَنْ يُصْبِحَ صَوْتًا لِكُلِّ هَؤُلَاءِ الصَّامِتِينَ.
لَمْ يَكُنْ يَكْتُبُ قِصَّةً عَبَثِيَّةً، بَلْ كَانَ يَنْسِجُ مِنْ تِلْكَ الأَمَانِي المَنْسِيَّةِ خُيُوطًا ذَهَبِيَّةً مِنَ البُرْهَانِ الأَدَبِيِّ، لِيَصْنَعَ مِنْهَا رِوَايَةً عَمِيقَةً. كَانَ يَكْتُبُ عَنِ الْحُبِّ الَّذِي لَا يُرَى بِالعَيْنِ المَجَرَّدَةِ بَلْ يُقَاسُ بِالأَثَرِ، وَعَنِ الشَّجَاعَةِ التَّي تُولَدُ تَقَاطُعًا مِنْ رَحِمِ الخَوْفِ. وَكُلَّمَا كَتَبَ حَرْفًا، كَانَ يَخْرُجُ مِنْ قَلَمِهِ ضَوْءٌ خَافِتٌ يُشْبِعُ زَوَايَا الْغُرْفَةِ المُظْلِمَةِ بِنُورِ الْمَعْرِفَةِ.
مَرَّتْ سَاعَاتٌ، أَوْ رُبَّمَا سَنَوَاتٌ، فَلَمْ يَعُدْ فَارِسُ يَشْعُرُ بِالْوَقْتِ؛ فَفِي تِلْكَ الْغُرْفَةِ، كَانَ الزَّمَنُ يَتَوَقَّفُ احْتِرَامًا لِلْكَلِمَاتِ الصَّادِقَةِ وَالْمُعَادَلَاتِ النَّقِيَّةِ. وَحِينَ انْتَهَى مِنْ كِتَابَةِ الْفَصْلِ الأَخِيرِ، حَدَثَ شَيْءٌ مُذْهِلٌ؛ تَلَاشَتِ الجُدْرَانُ، وَتَحَوَّلَتِ الزُّجَاجَاتُ إِلَى فَرَاشَاتٍ مُلَوَّنَةٍ طَارَتْ نَحْوَ السَّمَاءِ، لِتَنْشُرَ الْقِصَصَ الَّتِي كَتَبَهَا فَارِسُ فِي عُقُولِ النَّاسِ وَقُلُوبِهِمْ دُونَ أَنْ يُدْرِكُوا المَصْدَرَ الأَوَّلَ.
خَرَجَ فَارِسُ مِنْ تِلْكَ الْغُرْفَةِ وَهُوَ يَحْمِلُ فِي يَدِهِ دَفْتَرَهُ الْمَلِيءَ بِالْحِبْرِ الَّذِي يُشْبِهُ ضَوْءَ الْفَجْرِ. لَمْ يَعُدِ الفَتَى الَّذِي كَانَ يَبْحَثُ عَنِ الحِكَايَاتِ، بَلْ أَصْبَحَ هُوَ الحِكَايَةَ ذَاتَهَا. أَدْرَكَ حِينَهَا أَنَّ الكِتَابَةَ لَيْسَتْ هُرُوبًا عَنِ الوَاقِعِ، بَلْ هِيَ الطَّرِيقَةُ الوَحِيدَةُ لِنَرْسُمَ وَاقِعًا أَجْمَلَ، أَكْثَرَ عُمْقًا، وَأَكْثَرَ خُلُودًا فِي مَدَارَاتِ البَقَاءِ.
وَعِنْدَمَا سُئِلَ فَارِسُ يَوْمًا عَنْ سِرِّ جَمَالِ قِصَصِهِ، كَانَ يَبْتَسِمُ بِغُمُوضٍ رِيَاضِيٍّ بَرِيءٍ وَيَقُولُ:
· أَنَا لَا أُؤَلِّفُ الْقِصَصَ، أَنَا فَقَطْ أَسْتَمِعُ لِلنُّجُومِ حِينَ تَنَامُ، وَأَكْتُبُ مَا تَهْمِسُ بِهِ فِي أُذُنِ الأَرْضِ.
 
 
 
 
 
 
 
 
Share This Article
Leave a review

شاركنا برأيك.. يسعدنا سماع وجهة نظرك

error: Content is protected !!