قيس بكى ليلى.. وحمدي عبدالوهاب بكى الزمان

By nagah hegazy

قيس بكى ليلى.. وحمدي عبدالوهاب بكى الزمان

من أبلغ ما رُوي في تراث العشق العربي أن قيس بن الملوح عاد من سفره فرأى أطراف أصابع ليلى حمراء، فظن أنها خضبتها لخطبة أو زواج، فقال لها:

ولما تلاقينا على سفحِ رامةٍ … وجدتُ بنانَ العامريةِ أحمرا

فقلتُ خضبتِ الكفَّ بعد فراقنا … فقالتْ معاذَ اللهِ ذلك ما جرى

ولكنني لما رأيتُكَ راحلاً … بكيتُ دماً حتى بللتُ به الثرى

مسحتُ بأطرافِ البنانِ مدامعي … فصار خضاباً في الأكفِّ كما ترى

بكى قيس حبيبته، وبكت ليلى فراق حبيبها. أما اليوم، فقد يرى الشاعر أن المصيبة لم تعد في غياب شخصٍ بعينه، بل في غياب زمنٍ كاملٍ كانت تُعرف فيه الأشياء بأسمائها، وتُوزن القلوب بصدقها، لا بما تجلبه من نفعٍ ومصلحة.

ومن هنا يأتي ردُّ حمدي عبدالوهاب:

ردُّ حمدي عبدالوهاب

بكى قيسُ ليلى حين غابتْ عن الحِمى

وأبكي زمانًا بالفضائلِ أدبرا

رأيتُ الوفا شمسًا تُنيرُ دروبَنا

فأمسى وراءَ الغيمِ حزنًا تستَّرا

وكان الهوى نهرًا يفيضُ مودةً

فأضحى سرابًا في المفازاتِ أقفرا

وكان الإخا قصرًا من المجدِ شامخًا

فهبَّتْ عليه الريحُ حتى تبعثرا

وصارتْ قلوبُ الناسِ سوقًا لمكسبٍ

فمن زادَ نفعًا في المحافلِ صُدِّرا

ومن قلَّ نفعًا غابَ ذكرُ وجودِهِ

كأنْ لم يكن يومًا حبيبًا ومُؤثِّرا

رأيتُ وجوهًا كالرياضِ نضارةً

فلما جرى سيلُ المطامعِ أقفرا

ورأيتُ ثوبَ الصدقِ يُمزَّقُ جهرَةً

وثوبُ الرياءِ على المنابرِ أزهرا

ورأيتُ أهلَ الفضلِ يمشونَ غُربةً

وأهلُ الدعاوى في المكارمِ تصدَّرا

ورأيتُ ذئبَ الغدرِ يعلو مُبجَّلًا

وطيرَ الوفا بين الخرائبِ حُوصِرا

أبكي زمانًا كان يُوزَنُ أهلُهُ

بصدقِ السجايا لا بما قد توفَّرا

أبكي زمانًا كان للحبِّ هيبةٌ

فأصبحَ كالدينارِ يُعطى ويُشتَرى

فلا الحبُّ حبٌّ حين يُطلَبُ نفعُهُ

ولا الودُّ ودٌّ حين يُرجى به الثَّرى

إذا ما انتهتْ أسبابُ نفعِكَ عندهم

رأيتَ الذي قد كان بالأمسِ أدبرا

كأنَّ القلوبَ اليومَ أضحت دفاترًا

يُسجَّلُ فيها الربحُ ثم يُكرَّرا

فإن كان قيسٌ قد بكى فقدَ ليلى

فإنّي على فقدِ المروءاتِ أُحسَرا

فليلى إذا غابتْ فربُّكَ جامعٌ

ولكنَّ عهدَ الصدقِ إن ماتَ أُقبِرا

ويا ويحَ قلبي لا أُناجي صبابةً

ولا أشتكي هجرًا ولا أتحسَّرا

ولكنْ أبثُّ الحزنَ في زمنٍ غدا

يُعظِّمُ من باعوا الضمائرَ والجوهرا

زمانٌ إذا ناديتَ فيه فضيلةً

أتاكَ صداها باكيًا متحسِّرا

زمانٌ إذا فتشتَ عن قلبِ عاشقٍ

وجدتَ الدفاترَ فوقَ نبضِهِ تصدَّرا

فصارَ الهوى ربحًا وخسرانَ صفقةٍ

ويُذبحُ وجدانُ المحبِّ إذا تعسَّرا

بكى قيسُ ليلى والدموعُ غزيرةٌ

لأنَّ حبيبَ القلبِ عنه توارى

وأبكي زمانًا صارَ فيه أحبَّةٌ

إذا غابَ نفعُ المرءِ عنه تبرَّوا

وأبكي زمانًا ماتَ فيه تودُّدٌ

فعاشَ التملُّقُ واستطالَ وتجَبَّرا

وأبكي زمانًا صارَ يعبدُ نفعَهُ

ويُذبحُ وجدانُ المحبِّ إذا تعسَّرا

فيا قيسُ، لو عاينتَ عصرَ مصالحٍ

لرثيتَ قلبَ الحبِّ حتى تكسَّرا

ولبكيتَ عهدَ الودِّ بينَ أهلهِ

إذِ انقلبتْ كفُّ الوفاءِ إلى الوَرى

فما عادَ يُوزَنُ نبضُ قلبٍ بصدقِهِ

ولكنْ بما أعطى، وبما قد توفَّرا

بكيتَ حبيبًا غابَ عنكَ وإنّني

أبكي زمانًا كاملًا قد تغيَّرا.

Share This Article
Leave a review

شاركنا برأيك.. يسعدنا سماع وجهة نظرك

error: Content is protected !!