بقلم أ.د.أحمد سلامة
(مؤسس المشروع العربي لأدب الرياضيات “الرياضيات الأدبية” – أستاذ الرياضيات وعلوم الحاسب بكلية العلوم – جامعة بورسعيد – مصر)
في البدء، كان العلمُ نورًا، وكان المعلمُ وارثًا للنبوّة، لا لأنّه نبيّ، بل لأنّه يوقّع عنهم في الأرض: يُعلّم، ويُربّي، ويُطهّرُ العقول من أدران الجهل، كما تُطهّرُ النارُ الذهبَ من شوائبه. لكنّني، مذ وطئتُ عتبة مكان العلم، لم أجد النور الذي وعدونا به، بل وجدتُ ظلالًا كثيفةً من الضغينة، وأصواتًا متكسّرةً من الحسد، ووجوهًا تلبسُ الأقنعةَ الأكاديمية لتُخفي خلفها هشاشةً نفسيةً، وجراحًا لم تُداوَ، وأطماعًا تتخفّى في ثياب التقييم والترقّي.
سؤالٌ واحدٌ ظلّ يطاردني، لا يُفارقني في ممرّات ذلك المكان ، ولا يهدأ في لياليّ الطويلة:
ما الذي أصاب أهل هذا الحقل؟ كيف تحوّل محرابُ العلم إلى ساحةِ صراعٍ نفسيّ، وموضعِ كيدٍ لا يليقُ بورثةِ أنبياء؟
أهي لعنةُ المكاتب المغلقة؟ أم أنّنا نُدرّسُ الأخلاقَ ولا نُمارسها؟
أهي أزمةُ نفوسٍ لم تُشفَ، أم نظامٌ يُكافئُ الأذى ويُقصي النُبل؟
أم أنّنا، ببساطة، نعيشُ في معادلةٍ مختلّةٍ، لا توازنَ فيها بين العلمِ والضمير؟
هذه القصيدة ليست رثاءً، بل مقاومة. ليست نواحًا، بل محاولةُ تفكيكٍ رمزيٍّ لمعادلةٍ فاسدة، نُعيدُ فيها تعريفَ الأستاذ، ونُعيدُ للعلمِ هيبتَه، وللأخلاقِ مكانتَها، وللمعاونِ كرامتَه، وللجامعةِ وجهَها النبيل.
هي صرخةُ رياضيٍّ أدبيٍّ، يرى في كلّ بيتٍ معادلةً، وفي كلّ قافيةٍ برهانًا، وفي كلّ ألمٍ احتمالًا للشفاء.
هي وثيقةُ وجعٍ، وبيانُ إصلاح، ومرآةٌ نُواجهُ بها أنفسَنا، لا لجلدِ الذات، بل لتطهيرِها.
فلتُقرأ هذه الأبيات لا كمرثيّةٍ، بل كمعادلةٍ مفتوحةٍ على الأمل، مشروطةٍ بصدقِ النوايا، وجِدّ السعي، وجرأةِ الاعتراف.
أدخلتُ بابَ العلمِ، قلبي خاشعٌ
وخطايَ تُنشدُ: يا علومُ، ترفّقي
لكنني وجدتُ في الأروقةِ
صوتَ الضغائنِ، لا يُطاقُ بمنطقي
أينَ النُهى؟ أينَ النُبوّةُ؟ إنّها
فينا تُهانُ، وتُستباحُ بمِشرقي
كأنّنا لسنا ورثةَ أنبياءَنا
بل نحنُ نسلُ الحقدِ، نسلُ المِرفقي
كأنّنا في حلبةٍ، لا في الذُرى
نُبدي القتالَ، ونستبيحُ الموثقي
كأنّنا في شهرِ حُرمٍ قد غدا
ساحةَ خصامٍ، لا مقامَ المُتّقي
كأنّنا نُبغضُ بعضَنا من غيرةٍ
أم من جراحٍ لم تُداوِ بمرهقي؟
كأنّنا نُبني على وهمٍ، وقد
سقطَ البناءُ، فهل نُعيدُ الموثقي؟
يا أيّها الأستاذُ، ما بالُ الرُؤى
تُغتالُ فيكَ، وتُستباحُ بمِشرقي؟
هل كانَ ذنبُ المعاونينَ بأنّهم
حملوا الشعاعَ، فصارَ سهمًا مُقلقي؟
هل كانَ ذنبُهمُ الطموحُ، فصارَهم
في عينِ بعضِكُمُ كأشباحِ الغسقِ؟
هل صارَ علمُكُمُ سلاحًا قاتلًا
تُغتالُ فيهِ الروحُ تحتَ المنطِقِ؟
أم أنّكم في الأصلِ كنتم فتنةً
فالعلمُ عنكم قد تبرّأَ، فانطقي
يا جامعاتِ النيلِ، ما هذا الصدى؟
صوتُ التشوّهِ في جدارِكِ مُطبقِ
أينَ التواضعُ؟ أينَ نورُ معادِلي؟
أينَ الذي علّمْتُمُوهُ بمنطقي؟
أينَ الذي كنتمْ تُدرّسونهُ لنا؟
أم أنّهُ محضُ ادّعاءٍ مُغْرِقِ؟
يا أيّها الحُلمُ الذي في خاطري
هل كنتَ وهمًا؟ أم سرابًا مُرهقي؟
يا أيّها العقلُ الذي في محرقي
هل كنتَ نارًا أم ضياءَ المُشرقي؟
يا أيّها القلبُ الذي ما زالَ في
ساحاتِهمْ يُذكى، ويُرمى بالشقِي
هل نُكملُ الدربَ الذي قد خضّبوا
أرضَ المعارفِ فيهِ بالدمِ المُرِقِ؟
أم ننسجُ الأملَ الذي في صدرِنا
ونقولُ: لا، للعلمِ وجهٌ أصدقِ؟
يا ربُّ، إنّي قد سئمتُ معادلاتٍ
فيها الجفاءُ، وفيها كلُّ مُغْلِقِ
فمتى نرى الإصلاحَ يزهرُ مثلما
تزهو الدوالُّ على خطٍّ أفقِي؟
متى نرى الأقسامَ تُشبهُ بيتَنا
لا سجنَ قهرٍ، لا جدارَ مُضيّقِ؟
متى نرى الأستاذَ يُنصتُ للذي
يمشي على دربِ العطاءِ المُرهقِ؟
متى نرى التكريمَ يُهدى صادقًا
لا يُشترى، لا يُستعارُ بمِرفقي؟
متى نرى الإنسانَ يُكرمُ قبلَ أن
يُوزنْ بعِلمٍ أو يُقاسُ بمِسطري؟
هل كانَ هذا الحقدُ فرضًا واجبًا؟
أم أنّهُ داءٌ تسلّلَ في رِقي؟
هل كانَ هذا الحسدُ علمًا خالصًا؟
أم أنهُ سُمٌّ يُقطّرُ في دمي؟
هل كانَ هذا الحِقدُ يُنبتُ زهرةً؟
أم أنّهُ نارٌ تُخرّبُ مَغرسي؟
يا أيّها الإصلاحُ، هل لكَ موعدٌ؟
أم أنّكَ المنفيُّ فينا المُرهقِ؟
يا أيّها الحلمُ الذي في خاطري
لا تنكسرْ، فالعزمُ ليسَ بمُرهقِ
سنظلُّ نكتبُ، نرسمُ الآمالَ في
لوحِ الدوالِّ، ونرسمُ المُتّقي
سنظلُّ نُشعلُ في الظلامِ معادلاتٍ
فيها الضياءُ، وفيها صوتُ المُنطقي
سنظلُّ نُعلنُ أنّنا أبناءُ من
علّمْتُمُونا: العلمُ دربُ المُتّقي
لكنْ، سنرفضُ أن نكونَ نسخَكم
إنْ كانَ علمُكمُ سلاحَ المُغْرِقِ
سنكونُ أحرارًا، نُعلّمُ بعضَنا
أنّ الكرامةَ أصلُ كلِّ مُوثقِ
أنّ التواضعَ ليسَ ضعفًا، إنّما
نورُ العقولِ، ورفعةُ المُتّقي
أنّ المعاونَ ليسَ خصمًا، إنّما
ذخرُ البلادِ، وساعدُ المُتّقي
أنّ التقييمَ العادلَ المأمولَ لا
يُبنى على الأهواءِ أو بالمِرفقي
أنّ الترقّي ليسَ حربًا خفيةً
بل سُلّمٌ يُبنى بصدقِ المُتّقي
أنّ التنافسَ لا يُعادي إخوةً
بل يُنبتُ الإبداعَ فينا المُتّقي
أنّ المحبةَ لا تُخالفُ علمَنا
بل هيَ دليلُ النُبلِ، صوتُ المُنطقي
فامسحْ دموعَكَ، وانهضِ، فبمثلِنا
تُبعثُ الحياةُ، ويُعادُ المُغْرِقِ
