أعداد : حمدي عبدالوهاب
تواجه مصر مجموعة من التحديات المترابطة، يأتي في مقدمتها ارتفاع تكاليف المعيشة، والبطالة، وتراجع الجدوى الاقتصادية للزراعة بالنسبة لبعض الفلاحين، وارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج، إلى جانب مشكلات التسويق التي قد تجعل الفلاح يتحمل المخاطر بينما يستفيد آخرون من فارق الأسعار.
ومن هنا يطرح هذا التقرير رؤية تقوم على تحويل العلاقة بين الدولة والفلاح من علاقة دعم مباشر إلى علاقة شراكة في الإنتاج.
فبدلًا من تقديم الدعم في صورة أموال أو مستلزمات قد لا تصل بالكامل إلى مستحقيها، يمكن توجيه جزء كبير من هذا الدعم إلى مشروعات إنتاجية متكاملة، تكون الدولة فيها صاحبة الأرض والمنظومة، والفلاح شريكًا أساسيًا في تشغيلها وإنتاجها.
أولًا: فكرة المشروع
تقوم الدولة بتوفير أراضٍ زراعية مجهزة، وتُخصص بنظام انتفاع أو شراكة للفلاحين والشباب القادرين على العمل، وفق ضوابط قانونية تمنع بيع الأرض أو المضاربة عليها أو تحويلها إلى نشاط غير زراعي.
ويكون الفلاح شريكًا في الإنتاج، فيتولى الزراعة والإدارة اليومية للأرض، بينما توفر الدولة، وفق النموذج المعتمد، جزءًا من البنية الأساسية ومستلزمات الإنتاج والتمويل والخدمات الفنية.
وفي المقابل، يتم وضع نظام تعاقدي واضح لتسويق المحصول، بحيث لا يترك الفلاح فريسة للوسطاء وتقلبات السوق.
ثانيًا: لماذا الشراكة أفضل من الدعم التقليدي؟
الفكرة الأساسية هي أن الدولة لا تنفق فقط، وإنما تستثمر.
فإذا قدمت الدولة دعمًا للفلاح دون وجود منظومة إنتاج وتسويق متكاملة، فقد لا يتحول الدعم بالكامل إلى زيادة في الإنتاج.
أما في نموذج الشراكة، فإن الدعم يتحول إلى:
أرض مزروعة
إنتاج
محصول
تسويق
عائد للفلاح والدولة.
وبذلك يكون للدعم أثر اقتصادي قابل للقياس.
ثالثًا: حماية الدعم من التسرب
من أهم عناصر المشروع أن تكون العلاقة مباشرة ومنظمة بين الدولة والفلاح.
فبدلًا من أن يمر الدعم عبر حلقات متعددة، يمكن ربطه بالأرض والإنتاج والعقد الزراعي.
وبذلك يصبح من الممكن معرفة:
من يزرع الأرض.
ما المساحة المزروعة.
ما المحصول المستهدف.
كمية الإنتاج.
تكلفة الإنتاج.
الكمية التي تم تسويقها.
نصيب الفلاح.
ونصيب الدولة.
وهذا يقلل فرص استغلال الدعم أو الالتفاف على القواعد بواسطة الوسطاء أو ضعاف النفوس.
فالدولة لا تراقب الدعم فقط؛ بل تراقب دورة الإنتاج نفسها.
رابعًا: الزراعة والثروة الحيوانية في مشروع واحد
وهنا تظهر إحدى أقوى نقاط الفكرة.
لا ينبغي النظر إلى الأرض الزراعية باعتبارها مصدرًا للمحاصيل فقط، وإنما يمكن إنشاء مشروعات زراعية متكاملة تجمع بين:
الزراعة
الثروة الحيوانية
الدواجن عند ملاءمتها
التصنيع الزراعي.
فعلى سبيل المثال، يمكن تخصيص جزء من المشروع لزراعة الأعلاف، وجزء للمحاصيل الغذائية، مع إقامة نشاط حيواني مناسب لحجم المشروع.
وتتحول المخلفات الزراعية إلى مدخلات يمكن الاستفادة منها في أنشطة أخرى، بدلًا من إهدارها.
وبذلك يصبح المشروع دورة إنتاج متكاملة بدلًا من أن تكون كل حلقة منفصلة عن الأخرى.
خامسًا: مواجهة البطالة
يمكن توسيع النموذج ليشمل الشباب الباحثين عن العمل.
فبدلًا من انتظار وظيفة حكومية أو وظيفة محدودة الدخل، يحصل الشاب على فرصة للمشاركة في مشروع إنتاجي حقيقي.
وهنا يتحول مفهوم مكافحة البطالة من:
«توفير وظيفة»
إلى:
«خلق منتج».
وكل مشروع زراعي متكامل يمكن أن يولد فرصًا مباشرة في الزراعة والثروة الحيوانية، وفرصًا غير مباشرة في النقل والتعبئة والتخزين والتصنيع والتسويق والخدمات الزراعية.
سادسًا: التسويق.. الحلقة الأهم
لا يمكن مطالبة الفلاح بزيادة الإنتاج بينما يظل غير متأكد من كيفية بيع محصوله.
لذلك يجب أن تقوم المنظومة على تعاقد مسبق أو آلية تسويق واضحة للمحاصيل المستهدفة، مع تحديد مواصفات الجودة وآلية التسعير ومواعيد الاستلام.
وبذلك يعرف الفلاح قبل أن يزرع:
ماذا سيزرع؟
وكم سيكلفه؟
ولمن سيبيع؟
وما آلية احتساب عائده؟
وهذا من شأنه أن يقلل المخاطرة ويشجع على العودة إلى الزراعة.
سابعًا: حماية الأرض من المضاربة
من الضروري أن تكون الأرض الممنوحة ضمن المشروع مرتبطة بالإنتاج الزراعي وليس بالمضاربة العقارية.
فلا يكون الهدف أن يحصل شخص على الأرض ثم يبيعها أو يؤجرها أو يحولها إلى نشاط آخر.
ويمكن أن تتضمن العقود شروطًا واضحة بشأن الانتفاع والإنتاج والتنازل والوراثة والإخلال بالتزامات المشروع، مع الحفاظ على الحقوق القانونية للفلاح.
وهكذا تصبح الأرض أصلًا منتجًا لا سلعة للمضاربة.
ثامنًا: الفلاح شريك وليس أجيرًا
وهذه نقطة جوهرية في المشروع.
الفلاح الذي يعمل في الأرض يجب ألا يشعر أنه مجرد عامل فيها.
بل يجب أن يكون له نصيب واضح من عائد الإنتاج وفق صيغة الشراكة المتفق عليها.
فكلما زاد إنتاجه وتحسنت جودة عمله، زاد دخله.
وهنا تتولد علاقة إيجابية:
مصلحة الفلاح = زيادة الإنتاج = مصلحة الدولة.
تاسعًا: الأثر المتوقع
إذا طُبقت الفكرة على نطاق واسع وبإدارة جيدة، فإنها يمكن أن تحقق مجموعة من الأهداف في وقت واحد:
زيادة الرقعة الزراعية المنتجة.
إعادة بعض من تركوا الزراعة إلى النشاط الزراعي.
توفير فرص عمل للشباب.
تنمية الثروة الحيوانية.
زيادة إنتاج الغذاء.
تقليل الاعتماد على بعض الواردات الغذائية.
تحسين دخل الفلاح.
تنشيط الصناعات المرتبطة بالزراعة.
تقليل حلقات الوساطة غير الضرورية.
تحويل جزء من الإنفاق الداعم إلى استثمار إنتاجي.
عاشرًا: الضمانة الأساسية
حتى تنجح الفكرة، يجب ألا تكون الشراكة مجرد شعار.
بل تحتاج إلى عقد واضح، وحسابات شفافة، وتسعير عادل، ورقابة على الأرض والإنتاج، وآلية محاسبة، وحق واضح للفلاح في عائد إنتاجه.
كما يجب أن يكون اختيار المستفيدين وفق معايير معلنة، حتى لا تتحول الفكرة نفسها إلى باب للمحسوبية.
الخلاصة
الفكرة في جوهرها ليست أن «الدولة تعطي الفلاح أرضًا» فقط، وإنما أن الدولة تنشئ منظومة إنتاج متكاملة، والفلاح هو شريكها الأساسي في هذه المنظومة.
الدولة توفر الأرض والبنية والتنظيم والتسويق وفق النموذج الذي تقرره، والفلاح يقدم العمل والخبرة والإدارة الزراعية، ويكون لكل طرف حقه وعليه التزاماته.
وفي هذه الحالة لا يضيع الدعم في حلقات غير منتجة، ولا تتحول الأرض إلى وسيلة للمضاربة، ولا يظل الفلاح وحده في مواجهة السوق.
الدولة تملك الأرض والمنظومة، والفلاح يزرع وينتج، والمحصول هو ثمرة الشراكة.
وأعتقد أن أقوى جملة تختصر المشروع كله هي:
«بدل أن نعطي الفلاح دعمًا ينتهي، نعطيه فرصةً تنتج؛ فالدولة تضع الأرض، والفلاح يضع العرق، والأرض تعيد للجميع ثمرة ما زُرع.»
وهذه الفكرة يمكن أن تتحول بعد ذلك إلى مشروع قومي متكامل من عدة مراحل: زراعة، ثروة حيوانية، تصنيع غذائي، تسويق، وتشغيل للشباب، بحيث لا تكون مجرد مبادرة للفلاح وإنما نموذجًا اقتصاديًا لمواجهة البطالة ورفع مستوى دخل المواطن.
