رِسَالَتَانِ مِنْ بَابِ الحَيَاةِ البَاقِيَةِ

By nagah hegazy

رِسَالَتَانِ مِنْ بَابِ الحَيَاةِ البَاقِيَةِ: حِوَارٌ مَعَ مَنْ مَلَكَا ناصيَةَ البِدَايَةِ

بِقَلَمِ: أ. د. أَحْمَدُ سَلَامَة

(مُؤَسِّسُ الْمَشْرُوعِ الْعَرَبِيِّ لِأَدَبِ الرِّيَاضِيَّاتِ – الرِّيَاضِيَّاتُ الْأَدَبِيَّةُ)

في هدوءِ ليلةٍ استثنائية، وحين كانت إحداثيات السكون تبلغ ذروتها على مكتبٍ مكتظٍ بمعادلات التوبولوجيا ودفاتر الحرف، تسلَّل إلى صندوق بريدي الرقمي ظرفٌ غريب لا يشبه شيئاً من رسائل العالم. لم يكن يحمل عنوان IP أرضياً، ولا توقيعاً من شاشات البشر، بل جاء محفوفاً بنورٍ دافئ، ومُذيَّلاً بتوقيع الأطهرين: أبي وأمي (عليهما رحمة الله ورضوانه) من حيث لا ينقطع المدد، ومن ديار الخلود التي لا تطالها فانية الأيام.

فتحتُ الرسالة، فإذا هي بصوتيهما اللذين لم يغيبا عن ذاكرة الروح يوماً، تخاطبانني وأنا بعدُ أصارع الزمن على قيد الحياة:

مِنْ أَبِي.. المِحْوَرُ الثَّابِتُ وَالْبُرْهَانُ الأَخِيرُ

«يا بنيَّ.. يا من ورثتَ عني صرامة الحق ودفء الانتماء،

أكتب إليك من مقعد الحقيقة المطلقة، حيث لا تتبدل المتغيرات ولا تتسابق الساعات. نراك من هنا وأنت تخوض غمار معركتك الكبرى؛ ترمم فوضى العالم بالمعادلات، وتبني قصوراً من الكلمات والرموز، وتحسب للكون نظامه بدقة العارف.

لكن اعلم يا بني، أن أعظم ما أبدعته في حياتك لم يكن تلك الدوائر الهندسية ولا الأوراق المنشورة، بل هو ذلك “الوفاء العابر للحدود” الذي تبقيه حيّاً في قلبك كلما ذكرتنا. نحن لسنا في غيابٍ تام، نحن الثابت الأبدي في معادلتك؛ كلما ضاقت عليك إحداثيات الأرض، تذكر أن جذعك ثابت في السماء. لا ترهق روحك كثيراً بحساب الأيام، فالزمن هناك وهناك هبة. استمر في هندسة نورك، ونحن من هنا ندعو لك أن يظل قلبك طاهراً نقياً كما تركناه.. يا سرَّنا الباقي فينا».

مِنْ أُمِّي.. النَّبْضُ الأَوَّلُ وَجَذْرُ الحَنَانِ

«يا مهجة الروح وثمرة العمر..

أنا أمك التي كانت ترقب خطواتك الأولى على بلاط البيوت، وها أنا أرقبك اليوم وأنت تمشي على صراط الكلمة والمعرفة. هل تظن أن البرزخ قد يفصل بين نبض أم ونجاح ابنها؟ كلا والله.

أبعث إليك هذه الحروف لا لأعاتبك على انشغالك، بل لأهمس في أذن قلبك وأنت بين الأحياء: ارفق بروحك قليلاً. لا تنسَ وأنت تبني عوالم الفكر وأدب الرياضيات أن تتنفس، وأن تتذكر تلك الدعوات الخفية التي كانت ترعاك طفلاً، وترافقك عالماً. نحن نبتسم لك كلما أنجزت صدقاً، ونمسح عنك غبار التعب كلما أثقلتك هواجس الحياة. عش حياتك بقوة ويقين، واعلم أنك في عين عناية الله أولاً، وفي حنوّنا الدائم ثانياً. إياك أن تشعر بالوحشة، فنحن معك في كل فاصلة ونقطة ومعادلة.. عِش راضياً مرضياً يا ولدي».

أغلقتُ الشاشة ودموع الوجد تبلل مقلتيَّ. أدركتُ حينها أن الموت ليس سوى غياب عابر فيزيائياً، لكنه حضور مطلق في توبولوجيا الروح. ما زالا هما المعادلتين الوحيدتين اللتين بدأ منهما كل شيء، وظل معناهما أكبر من كل برهان.. حيّان فينا، يكتبان لنا من دار الخلود رسائل الحياة!

Share This Article
Leave a review

شاركنا برأيك.. يسعدنا سماع وجهة نظرك

error: Content is protected !!