غرد بالمصري
كتب: أيمن بحر
في عالم تتغير فيه قواعد الحرب بسرعة، لم تعد الطائرات المسيرة مجرد أدوات للاستطلاع والمراقبة، بل تحولت إلى واحدة من أخطر أدوات القتال الحديثة؛ بعدما أثبتت قدرتها على تنفيذ هجمات دقيقة وبأعداد كبيرة وبتكلفة أقل كثيراً من تكلفة وسائل الدفاع التقليدية.
وفي خضم هذا التحول التكنولوجي، يبرز اسم مصر بقوة في سباق تطوير قدرات مواجهة الطائرات المسيرة وتصنيع الأنظمة القادرة على اكتشافها وتعطيلها والتعامل معها، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤل مهم: هل امتلكت مصر بالفعل قاهر الدرونز الجديد، أم أن الأمر ما زال في إطار تطوير منظومة متكاملة لمواجهة هذا التهديد؟
منظومات دفاعية وإشارات تصنيع محلي
المؤكد أن مصر قطعت خطوات واضحة في هذا المجال؛ فقد كشفت الهيئة العربية للتصنيع خلال عام 2026 عن منظومات جديدة مخصصة لمواجهة الطائرات المسيرة، من بينها منظومة “حارس 2” للكشف والتعامل مع الطائرات غير المأهولة، وجهاز “DG-400P” للتشويش على الطائرات الصغيرة والمتناهية الصغر مع تغطية دائرية تصل وفقاً للمعلومات المعلنة إلى نحو أربعة كيلومترات.
وهنا تظهر أهمية ما يمكن تسميته بـ “قاهر الدرونز”؛ فالمواجهة الحديثة لا تعتمد بالضرورة على صاروخ واحد يطارد الطائرة المسيرة، وإنما تقوم على منظومة متكاملة تبدأ بالرصد والكشف، ثم التتبع والتعرف على الهدف، وبعد ذلك اختيار الوسيلة المناسبة لتحييده سواء بالتشويش الإلكتروني أو بوسائل اعتراض أخرى.
واللافت أن التحرك المصري لا يقتصر على الدفاع فقط؛ فقد شهد معرض الصناعات الدفاعية خلال الفترة الأخيرة عرض عائلة من الطائرات المسيرة والذخائر الجوالة، وهو ما يعكس اتجاهاً متزايداً نحو امتلاك المعرفة الصناعية والتكنولوجية الخاصة بهذه المنظومات بدلاً من الاعتماد الكامل على الاستيراد.
كما كشفت الهيئة العربية للتصنيع في معرض الدفاع العالمي بالسعودية عن الطائرة “حمزة 3″، وهي طائرة مسيرة بعيدة المدى قيل إن مداها يصل إلى نحو 1800 كيلومتر مع قدرات للمراقبة واستهداف الأهداف المتحركة ومقاومة التشويش، وقد أكدت الشركة أن النموذج المعروض خضع لاختبارات طيران واستهداف بينما يجري العمل على زيادة نسبة التصنيع المحلي في مكوناته.
التكامل بين الدفاع والهجوم وتوطين التكنولوجيا
وهنا تكمن المفارقة المهمة؛ فمصر لا تعمل فقط على امتلاك وسائل إسقاط الطائرات المسيرة، وإنما تعمل أيضاً على تطوير طائرات مسيرة وأهداف جوية يمكن استخدامها في التدريب واختبار شبكات الدفاع الجوي ورفع قدرتها على مواجهة سيناريوهات الهجمات الحديثة.
وتكشف تصريحات منشورة خلال عام 2026 عن أن منظومة الدفاع الجوي المصرية شهدت بالفعل اهتماماً متزايداً بتطوير الرادارات وشبكات القيادة والسيطرة وأنظمة كشف الطائرات المسيرة والحرب الإلكترونية، وهو ما يعني أن مواجهة الدرونز أصبحت جزءاً من رؤية أوسع لتحديث الدفاع الجوي وليس مشروعاً منفرداً.
كما أن تنظيم مسابقات متخصصة لاكتشاف وتتبع وتحييد الطائرات المسيرة داخل المؤسسات العسكرية والأكاديمية المصرية يعكس اتجاهاً نحو توسيع قاعدة البحث العلمي والاستفادة من العقول الهندسية الشابة في تطوير حلول محلية لمشكلة أصبحت تمثل تحدياً عالمياً.
بين التكهنات والواقع الاستراتيجي
لكن من المهم هنا التمييز بين الحقيقة والتكهنات؛ فلا توجد حتى الآن معلومات رسمية منشورة تثبت أن مصر أعلنت امتلاك منظومة واحدة تحمل رسمياً اسم “قاهر الدرونز” أو أنها كشفت عن سلاح سري بهذا الاسم، ولذلك فإن استخدام هذا التعبير يجب أن يبقى في إطار الوصف الصحفي للقدرات المصرية المتنامية وليس باعتباره اسماً رسمياً لسلاح معلن.
والأكثر دلالة أن الحرب الحديثة لم تعد تقاس فقط بعدد الطائرات أو الصواريخ، وإنما بقدرة الدولة على اكتشاف التهديد قبل وصوله إلى هدفه والتعامل معه بأقل تكلفة ممكنة، والحفاظ على جاهزية منظوماتها في مواجهة هجمات قد تأتي من عشرات أو مئات الطائرات المسيرة في وقت واحد.
ومن هنا فإن سر “نسور الحضارة” لا يكمن بالضرورة في سلاح واحد خارق، وإنما في بناء منظومة تجمع بين الرادار، والحرب الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي، والقيادة والسيطرة، ووسائل الاعتراض، والتصنيع المحلي، والتدريب المستمر.
رؤية مستقبليّة لحماية سماء الوطن
إن امتلاك هذه القدرات يعني أن مصر تتحرك باتجاه مرحلة جديدة من الأمن الجوي تقوم على التكنولوجيا المحلية وتعدد طبقات الحماية، وهو اتجاه أصبح ضرورياً في ظل التطور السريع للطائرات المسيرة وانخفاض تكلفتها وسهولة استخدامها في ساحات الصراع الحديثة.
ويبقى السؤال الأكثر إثارة: هل نشهد خلال السنوات المقبلة ظهور منظومة مصرية متكاملة قادرة على اكتشاف أسراب الطائرات المسيرة والتعامل معها بكفاءة عالية؟
الإجابة الكاملة ما زالت محاطة بالكثير من السرية العسكرية، لكن المؤشرات المعلنة تؤكد أن مصر دخلت بالفعل سباقاً جديداً عنوانه الدفاع ضد الطائرات المسيرة وتوطين تكنولوجيات الحرب الحديثة.
وفي عالم أصبحت فيه السماء مزدحمة بالدرونز، قد لا يكون السلاح الأخطر هو الطائرة التي تستطيع الوصول إلى الهدف، بل المنظومة التي تستطيع رؤيتها قبل أن تصل وتحديدها وتعطيلها وإسقاطها في الوقت المناسب. وهنا تحديدا يظهر معنى “نسور الحضارة”؛ فالقوة في عصر التكنولوجيا لا تصنعها قطعة سلاح واحدة، وإنما تصنعها دولة تمتلك العلم والقدرة الصناعية والعقول التي تعرف كيف تحول التحديات الجديدة إلى أدوات قوة تحمي سماء الوطن.
