بقلم: حمد الترهوني
هناك أحلام تبدأ صغيرة؛ بطاقة تحمل اسم صاحبها، وقلم في جيبه، ودفتر ملاحظات لا يفارقه، ومقعد داخل غرفة أخبار يتخيل أنه سيكون يومًا جزءًا منها.
يحلم الصحفي أن يكتب الحقيقة، أن يصل صوته إلى الناس، أن يفتح ملفًا مغلقًا، وأن يمنح المظلوم مساحة ليحكي حكايته، وأن يكون قلمه شاهدًا على زمنه.
لكن بين حلم القيد الصحفي وواقع المهنة، مسافة طويلة من الانتظار والتعب والخذلان.
فالقيد الذي يبدو للبعض مجرد رقم في سجل، هو بالنسبة للصحفي حلم طال انتظاره، واعتراف بمشوار بدأه من الشارع، ومن غرف الأخبار، ومن ليالٍ طويلة قضاها أمام شاشة الكمبيوتر يبحث عن معلومة، أو يدقق في خبر، أو يعيد صياغة سطر حتى لا يظلم إنسانًا بكلمة.
القيد.. أكثر من مجرد بطاقة
الصحفي لا يحلم باللقب وحده، ولا يبحث عن كلمة «صحفي» ليضعها أمام اسمه؛ هو يريد أن يشعر أن السنوات التي قضاها في هذه المهنة لم تذهب هباءً، وأن التعب الذي لم يره أحد كان له معنى، وأن الساعات التي قضاها وسط الأحداث، وفي المستشفيات وأقسام الشرطة والمحاكم والقرى والنجوع، كانت جزءًا من طريق مهني يستحق التقدير.
وراء كل صحفي حكاية؛ هناك من بدأ بكاميرا بسيطة، ومن بدأ بقلم، ومن كان يكتب من هاتفه، ومن تعلم المهنة في غرف الأخبار، ومن حمل دفتره ونزل إلى الشارع يبحث عن الحقيقة قبل أن يعرفه أحد.
هؤلاء لم يولدوا صحفيين، بل صنعوا أنفسهم بالخبرة، وبالاحتكاك، وبالأخطاء التي تعلموا منها، وبالأيام الصعبة التي لم تتوقف فيها الحياة عن اختبارهم.
جراح لا يراها القارئ
مهنة الصحافة ليست دائمًا أضواءً وصورًا وتصريحات؛ فوراء الخبر ساعات من العمل، ووراء التحقيق خوف ومسؤولية، ووراء الصورة لحظة قد لا تتكرر، ووراء كل كلمة يكتبها الصحفي سؤال ثقيل: هل نقلت الحقيقة كما يجب؟
قد يعود الصحفي إلى منزله بعد منتصف الليل بينما يظن القارئ أن الخبر انتهى بمجرد نشره، لكن الخبر بالنسبة للصحفي قد يكون بداية لساعات أخرى من المتابعة والتدقيق والاتصالات والردود، وربما الانتقادات. وقد يدفع الصحفي ثمن كلمة لم يقصد بها الإساءة، أو يتحمل مسؤولية معلومة نقلها بأمانة، أو يجد نفسه في مواجهة مع من لم يعجبه ما كُتب.. وهنا تبدأ جراح المهنة التي لا تظهر في الصور.
بين الشغف والواقع
أصعب ما في الصحافة أن الشغف بها قد يكون أكبر من عائدها؛ فالصحفي في بداياته لا يفكر كثيرًا في المال بقدر ما يفكر في اسمه، وفي أول خبر يحمل توقيعه، وفي أول تحقيق يشعر بعد نشره أنه أحدث فرقًا.
لكن السنوات تكشف له وجهًا آخر للمهنة؛ مسؤوليات تكبر، وأسعار ترتفع، وأعباء تتضاعف، بينما يظل الصحفي في كثير من الأحيان مطالبًا بأن يعمل وكأن الشغف وحده يستطيع أن يدفع فواتير الحياة!
والحقيقة أن الشغف مهم.. لكنه لا يكفي لبناء حياة كريمة، فالصحفي إنسان قبل أن يكون صاحب قلم، وله أسرة والتزامات وأحلام ومستقبل.
أحلام القيد والاستقرار
لذلك فإن «أحلام القيد» ليست مجرد رغبة في الحصول على عضوية أو بطاقة، بل هي:
حلم بالاستقرار المهني.
حلم بأن يعرف الصحفي حقوقه وواجباته.
حلم بأن تكون سنوات العمل والخبرة محل تقدير.
حلم بأن يجد الصحفي الشاب طريقًا واضحًا بدلًا من أن يقضي سنوات طويلة واقفًا على أبواب الانتظار.
حلم بأن تظل الصحافة مهنة يستطيع الإنسان أن يعيش منها، لا مجرد مهنة يحبها ثم يضطر إلى البحث عن مصدر آخر للحياة.
الصحفي ليس آلة أخبار
أحيانًا ننسى أن خلف الخبر إنسانًا؛ صحفي يمرض، ويتعب، ويقلق، ويخطئ، ويعود ليصحح، وقد يتعرض لضغوط لا يعرفها الجمهور. نطلب منه السرعة والدقة والانفراد والمتابعة والوجود في كل مكان، ثم ننسى أن له حقًا في الراحة، والأمان، والتقدير، والأجر العادل.
نريد صحافة قوية، وهذا حق المجتمع، لكن الصحافة القوية تحتاج أيضًا إلى صحفي قوي ومستقر ومحمي مهنيًا، فالصحفي الذي يعيش تحت ضغط دائم أو يشعر أن مستقبله غامض، يصعب أن تمنحه المهنة كل طاقته إلى الأبد.
لا تقتلوا الحلم
أخطر ما يمكن أن يحدث للمهنة ليس أن يقل عدد الصحفيين، وإنما أن يفقد الصحفيون الشباب إيمانهم بأن هذا الطريق يستحق؛ أن يتحول القلم من حلم إلى عبء، وأن تصبح بطاقة الصحافة نهاية انتظار لا بداية مستقبل، وأن يشعر شاب قضى سنوات يتعلم ويعمل ويتعب أن كل ما فعله لا يكفي لكي يُنظر إليه باعتباره صحفيًا كامل الحقوق والكرامة.
الصحافة لا تحتاج فقط إلى تطوير أدواتها، بل تحتاج إلى حماية إنسانها، وتستعيد قيمة الصحفي، وتمنحه المساحة التي يستحقها، وتفتح الطريق أمام الموهبة والخبرة والعمل الحقيقي.
في النهاية.. قد يتغير شكل الصحافة، وقد تختفي أوراق وتظهر منصات، وتتبدل أدوات النشر ويصبح الهاتف غرفة أخبار متنقلة، لكن شيئًا واحدًا لن يتغير: الحقيقة تحتاج إلى من يبحث عنها. والصحفي الحقيقي لا يصنعه القيد وحده، كما أن القيد لا ينبغي أن يكون حلمًا مستحيلًا لمن أثبت بالممارسة والخبرة أنه ينتمي إلى هذه المهنة.
