نهاية القرن الأمريكي في الخليج

By nagah hegazy
الدكتور أحمد صفوت السنباطي

بقلم الدكتور أحمد صفوت السنباطي

حين نتحدث عن نهاية القرن الأمريكي في الخليج، فإننا لا نتحدث عن لحظة انسحاب درامي واحد، بل عن عملية تآكل بطيئة تسارعت فجأة حتى أصبحت حقيقة لا يمكن إنكارها، قام النظام الإقليمي الذي صاغته واشنطن بعد حرب الخليج عام 1991 على معادلة بسيطة، تقدم الولايات المتحدة ضمانات أمنية لدول الخليج وتحصل في المقابل على قواعد عسكرية ونفوذ سياسي وضمان لتدفق النفط، وظلت هذه المعادلة قائمة لثلاثة عقود قبل أن تبدأ بالتصدع من الداخل وتتلقى ضربة قاضية في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران عام 2026، الضربة الأولى جاءت من فشل الردع، فحين تعرضت منشآت النفط السعودية لهجوم في عام 2019 لم ترد واشنطن رداً حاسماً، وحين ضربت مسيّرات الحوثيين الإمارات في عام 2022 لم يكن الرد الأمريكي مختلفاً كثيراً، وكشفت هذه اللحظات لدول الخليج أن الضمانة الأمريكية ليست مطلقة كما كانت تُقدَّم لعقود، لكن الضربة القاضية جاءت في الحرب الأخيرة على إيران، التي لم تنجح في إسقاط النظام الإيراني بل أظهرت العكس تماماً، أظهرت أن القواعد الأمريكية في البحرين وقطر والسعودية والكويت أصبحت أهدافاً سهلة لهجمات إيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وأن واشنطن عاجزة عن حماية هذه القواعد نفسها فضلاً عن حماية حلفائها، فقد أُصيب مقر الأسطول الخامس في البحرين، ودُمّر موقع لوكالة الاستخبارات المركزية في الرياض تقريباً، واضطرت الولايات المتحدة إلى نقل سلسلة إمدادها إلى قاعدة دييغو غارسيا في المحيط الهندي على بعد آلاف الأميال، وهذه ليست تفاصيل تكتيكية بل إعلان ضمني بأن البنية التحتية العسكرية الأمريكية في الخليج لم تعد قابلة للدفاع عنها بالشكل الذي كانت عليه.
ما يجعل هذه اللحظة مختلفة عن الأزمات السابقة هو أن واشنطن نفسها لم تعد ترغب في الحفاظ على هذا النظام، فالتقارير الصادرة عن وزارة الدفاع والأجهزة الاستخباراتية تتحدث عن مناقشات جدية حول تقليص الوجود الدائم في الخليج ونقل المزيد من العبء الأمني إلى الشركاء الإقليميين وربما عدم إعادة بناء القواعد المدمرة أصلاً، وتصريح رئيس العمليات البحرية الأمريكي بأن البحرية لن تعود قريباً إلى البحرين هو اعتراف صريح بأن الحضور القديم لم يعد ممكناً، والسعودية بدورها أبلغت إدارة ترامب أن الحديث عن خفض القوات ليس في الوقت المناسب إطلاقاً لكن صوت الرياض لم يعد يوقف قراراً اتخذته واشنطن مسبقاً، وهنا تتكشف المفارقة الكبرى، فالدول الخليجية التي بنت عقيدتها الدفاعية لعقود على الوجود الأمريكي تجد نفسها اليوم أمام واقع جديد تختبر فيه واشنطن حدود صبرها وتبحث عن مخارج آمنة من التزامات لم تعد تريدها.
في أغسطس 2026 كتب مارك لينش في فورين أفيرز ما تجرأ كثيرون على قوله وهو أن الشرق الأوسط الأمريكي قد انتهى، وحجته بسيطة ومدمرة في آن واحد، فالنظام الإقليمي الذي بُني عام 1991 سقط ليس لأن خصماً خارجياً أسقطه بل لأن الصفقة الأمنية التي قام عليها لم تعد قابلة للتنفيذ، فالحرب على إيران لم تُضعف إيران فقط بل أضعفت مصداقية الضمانة الأمريكية أكثر، وإسرائيل التي يفترض أن تكون ركيزة النظام أصبحت عبئاً سياسياً على واشنطن في المنطقة بدلاً من أن تكون رصيداً، وهذا التحول في موقع إسرائيل من حليف استراتيجي إلى عبء سياسي هو أحد المؤشرات الأعمق على أن القرن الأمريكي في الخليج لا ينتهي بانسحاب عسكري بل بإعادة تعريف كاملة لمنطق الوجود.
لكن نهاية القرن الأمريكي في الخليج لا تعني نهاية الوجود الأمريكي، فالقواعد التي ستبقى حتى لو تقلصت أو نُقلت تحت الأرض ستحافظ على شكل من الحضور، وما ينتهي هو الطبيعة الاستراتيجية لهذا الحضور، من ضامن أمني شامل إلى شريك انتقائي يبيع السلاح ويقدم الدعم الاستخباراتي دون أن يعد بالحماية الكاملة، وهذا هو الفارق بين القرن الأمريكي وما بعده، فلم تعد واشنطن اللاعب الذي يحدد قواعد اللعبة في الخليج، وإيران تدرك ذلك ودول الخليج تدرك ذلك والقواعد الأمريكية نفسها تحمل الآن دلالة مختلفة، من منصات هيمنة إلى أهداف محتملة، ومن رموز حضور إلى علامات انكفاء، وهكذا يتحول الخليج من بحيرة أمريكية إلى مسرح مفتوح على احتمالات لا يعرف أحد بعد كيف ستتشكل، لكن المؤكد أن القرن الذي بدأ بضربة مدمرة في 1991 ينتهي بضربة أعمق في 2026، ليس لأن أمريكا هُزمت عسكرياً بل لأنها لم تعد ترغب في أن تكون ما كانت عليه، وهذا هو أخطر أنواع النهايات، النهاية التي تأتي من الداخل لا من الخارج
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
Share This Article
Leave a review

"شاركنا برأيك.. يسعدنا سماع وجهة نظرك"

error: Content is protected !!