أبي… وما زال النور يسير
كلمات حمدي عبدالوهاب
أبي وما زالَ نورُ القلبِ في سَفَرِ
يمضي ويتركُ في الأعماقِ أثرَ السَّرَرِ
يا بُوِيَ يا ظلَّ عمري حين يخذلني
إن ضاقَ دربي أراكَ النورَ في البَصَرِ
يا نبعَ حبٍّ إذا ما ضاقَ منطلقًا
جرتْ ملامحُهُ في الروحِ كالمَطَرِ
كنتَ الأمانَ إذا ما الليلُ أرهقني
فاستنجدتُكَ في ظلماءِ مُنكسِرِ
أراكَ في عينيَ إن غابَتْ ملامحُها
كأنَّ وجهكَ معنى الضوءِ في القَدَرِ
تمشي فتخضرُّ في الأكوانِ أغنيةٌ
وتنبتُ الأرضُ من كفَّيكَ في سَحَرِ
ويفيضُ من راحتيكَ الخيرُ منسجمًا
كأنَّهُ نهرُ صدقٍ غيرَ مُنحَصِرِ
وجهُكَ إن أشرقَتْ فيهِ البشاشةُ قد
صارَ الصباحُ على الدنيا بلا كَدَرِ
وصوتُكَ العذبُ إن همستَ بالدعواتِ
أحيا القلوبَ وأطفأ نارَ مستعِرِ
ما كنتَ أبًا فحسبُ بل ظلالُ وطنٍ
فيه الصغارُ وأحلامُ المدى كبُرِ
تبني الرجالَ على التقوى ومروءةٍ
حتى يصيرَ لهم في الناسِ مُفتخَرِ
كم ليلةٍ خبَّأتَ الوجعَ في صمتٍ
حتى ينامَ على الرضا بلا ضرَرِ
وكم انحنيتَ ولم تشكُ الزمانَ لنا
إلا بحمدٍ يفيضُ القلبَ في الصدرِ
واليومَ بعدَ الرحيلِ الصعبِ ما انطفأتْ
صورتُكَ الحلوةُ في قلبي وفي نظري
أسيرُ أسمعُ في الطرقاتِ نبرتكَ
كأنَّ ظِلَّكَ يمشي خلفيَ في حَذَرِ
وأراكَ في ضحكةِ الإخوانِ إن برزتْ
أنوارُ روحٍ تهادى فوقَ كلِّ سَرِ
يا من زرعتَ الوفا في الأرضِ مدرسةً
فصارَ في الناسِ خلقًا واضحَ الأثرِ
علَّمتني أنَّ عزَّ النفسِ مكرمةٌ
وأنَّ صمتَ الرجالِ أبلغُ الخبرِ
علَّمتني أنَّ من يبني المواقفَ لا
يحتاجُ مدحًا ولا زخرفَ الصورِ
يا ربِّ إنَّ أبي أتاكَ مُؤمنًا
فاجعلْ مقامَ أبي في الخلدِ من غُرَرِ
واسقِ الجنانَ لروحهِ برحمةٍ
تجري عليهِ كظلِّ النورِ في السَّحَرِ
سيظلُّ اسمُكَ في قلبي مُخلَّدَهُ
ما دامَ في الأرضِ ليلٌ يتَّقي القمرِ
وأحملُ الذكرى إذا ما عشتُ مُنتصبًا
كأنَّها رايةٌ في الروحِ لم تُكسَرِ
رحلَ الجسدُ… ولكنَّ الروحَ باقيةٌ
نورًا إذا ما ادلهمَّ الليلُ لم يَزَرِ
الأبُ ليسَ حكايةً تُطوى نهايتُها
بل قصةُ العمرِ في الأحشاءِ لم تَغِرِ