البُردة الجلية
في مدح خير البرية
نظم د/رمضان بلال
أَمِنْ تَذَكُّرِ أَيَّامٍ بِذِي حُلُمِ
أَسَلْتَ دَمْعًا عَلَى الآمَالِ كَالْعَنَمِ
وَهَلْ رَأَيْتَ الَّذِي قَدْ ضَاعَ مُغْتَرِبًا
بَيْنَ الشَّوَاشِ وَبَيْنَ الْهَمِّ وَالسَّأَمِ
يَمْشِي الزَّمَانُ وَلا تَبْقَى مَعَالِمُهُ
إِلَّا صَدَى الذِّكْرِ فِي الأَرْوَاحِ وَالذِّمَمِ
أَضْحَى الْوَرَى فِي دُخَانِ الشَّكِّ مُنْغَمِسًا
وَالْحَقُّ يَصْرُخُ فِي الآفَاقِ لَمْ يُصَمِ
تَبَارَتِ النَّاسُ فِي الدُّنْيَا وَزُخْرُفِهَا
حَتَّى تَنَازَعَ أَهْلُ الْبَيْتِ فِي الْقِسَمِ
وَاسْتُبْدِلَ الْعِلْمُ بِالتَّهْوِيلِ مُنْقَلِبًا
وَالْفِكْرُ ضَاعَ بِأَسْوَاقٍ مِنَ الْوَهَمِ
وَكَمْ فَتًى نَالَ أَعْلَى الْعِلْمِ مُجْتَهِدًا
فَمَا أَفَادَ إِذَا خَلَّتْ يَدَاهُ مِنَ الْقِيَمِ
النَّفْسُ كَالطِّفْلِ إِنْ تُهْمِلْ شَوَارِدَهَا
يَنْشَأْ عَلَى الطَّيْشِ وَالطُّغْيَانِ وَاللَّجَمِ
فَخَالِفِ النَّفْسَ وَاجْعَلْ مِنْ مَجَاهِدَةٍ
جِسْرًا إِلَى الْمَجْدِ فِي سِرٍّ وَفِي عَلَنِ
وَاصْبِرْ عَلَى الْحَقِّ إِنَّ الْحَقَّ مُنْتَصِرٌ
وَإِنْ تَوَارَى وَرَاءَ الْخَوْفِ وَالظُّلَمِ
مَا الْمَرْءُ إِلَّا بِأَخْلَاقٍ يُشَيِّدُهَا
فَإِنْ تَهَدَّمَ بُنْيَانُ الْخُلُقِ لَمْ يَقُمِ
يَا أُمَّةً حَمَلَتْ لِلْعَالَمِينَ هُدًى
مَا بَالُهَا الْيَوْمَ فِي تَفْرِيقِهَا تَرِمِ
كَانَتْ تُضِيءُ الدُّجَى عِلْمًا وَمَعْرِفَةً
فَصَارَ بَعْضُ بَنِيهَا عُرْضَةَ الْخَصَمِ
لَا يَنْهَضُ الْقَوْمُ حَتَّى يَسْتَعِيدُوا مَا
قَدْ ضَيَّعُوهُ مِنَ الْأَخْلَاقِ وَالْهِمَمِ
وَيُوقِنُوا أَنَّ بُنْيَانَ الْحَضَارَةِ لَا
يُبْنَى عَلَى الزُّورِ وَالتَّضْلِيلِ وَالتُّهَمِ
يَا وَطْنُ إِنَّكَ فِي الأَعْمَاقِ مَنْزِلُنَا
وَفِي ثَرَاكَ رُبَى الآبَاءِ وَالْقِدَمِ
لَكَ الْوَفَاءُ وَلَوْ ضَاقَتْ مَسَالِكُنَا
وَاشْتَدَّ وَقْعُ الْأَسَى فِي النَّفْسِ وَالْأَلَمِ
نَحْمِيكَ بِالْعِلْمِ لَا بِالْحِقْدِ نَحْمِلُهُ
وَبِالْبِنَاءِ لَا بِالتَّخْرِيبِ وَالْهَدَمِ
فَالْمَجْدُ لَيْسَ صُرَاخًا فِي مَنَابِرِنَا
بَلْ صَنْعُ جِيلٍ قَوِيٍّ وَاثِقِ الْقَدَمِ
وَكَمْ رَأَيْنَا دُوَلًا قَدْ شَادَ بَانِيهَا
أَمْجَادَهَا بِاجْتِهَادِ الْعَقْلِ وَالْقَلَمِ
لَا بِالسُّيُوفِ إِذَا مَا السِّلْمُ أَمْكَنَهُمُ
وَلَا بِبَطْشٍ وَلَا إِفْرَاطِ مُنْتَقِمِ
يَا رَبِّ فَاحْفَظْ بِلَادًا أَنْتَ حَارِسُهَا
مِنْ كُلِّ مُعْتَدِمٍ لِلشَّرِّ مُغْتَنِمِ
وَاجْعَلْ لَهَا مِنْ رِضَاكَ الْغَيْثَ مُنْهَمِرًا
وَابْعَثْ بِهَا كُلَّ خَيْرٍ سَابِغِ النِّعَمِ
وَامْنُنْ عَلَى النَّاسِ بِالإِصْلَاحِ يَجْمَعُهُمْ
فَالْفُرْقَةُ السَّوْدَاءُ أَصْلُ الْوَهْنِ وَالسَّقَمِ
وَصَلِّ رَبِّ عَلَى الْمُخْتَارِ سَيِّدِنَا
مَا لَاحَ بَدْرٌ وَمَا غَنَّتْ ذَوَاتُ الْحَمَمِ
مُحَمَّدٍ خَيْرِ مَنْ وَطِئَ الثَّرَى شَرَفًا
وَأَصْدَقِ النَّاسِ فِي عَهْدٍ وَفِي ذِمَمِ
عَلَيْهِ مِنْكَ صَلَاةٌ لَا انْقِضَاءَ لَهَا
مَا دَامَ ذِكْرُكَ فِي الْآفَاقِ وَالْأُمَمِ
وَاذْكُرْ إِذَا ضَاقَتِ الدُّنْيَا بِسَاكِنِهَا
أَنَّ الرَّجَاءَ ضِيَاءُ الْقَلْبِ فِي الظُّلَمِ
فَكَمْ تَعَثَّرَ رَكْبٌ فِي مَسَالِكِهِ
ثُمَّ اسْتَقَامَ عَلَى التَّوْفِيقِ وَالْقِيَمِ
وَكَمْ أَضَاعَ أُنَاسٌ عُمْرَهُمْ سَفَهًا
فَلَمْ يَجِدْ غَيْرَ تَأْنِيبٍ وَمِنْ نَدَمِ
يَغُرُّهُمْ بَرْقُ دُنْيَا لَا ثَبَاتَ لَهَا
كَأَنَّهُ اللَّمْعُ فِي صَحْرَاءَ مِنْ عَدَمِ
فَاعْمَلْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ الرَّحْلِ مُجْتَهِدًا
فَالزَّادُ خَيْرُ رَفِيقٍ عِنْدَ مُزْدَحَمِ
وَاجْعَلْ لِعِلْمِكَ أَخْلَاقًا تُزَكِّيهِ
فَالْعِلْمُ دُونَ تُقًى كَالنَّارِ فِي الْحَطَمِ
يَا مَنْ يُفَتِّشُ فِي الشَّاشَاتِ عَنْ خَبَرٍ
هَلْ فَتَّشَ الْقَلْبَ عَنْ سِرٍّ وَعَنْ حِكَمِ؟
إِنَّ الْحَضَارَةَ لَيْسَتْ فِي مَعَامِلِنَا
وَلَا الْبُنُوكِ وَلَا الْأَبْرَاجِ وَالرُّسُمِ
لَكِنَّهَا فِي ضَمِيرٍ حَيٍّ نُرْبِيهِ
عَلَى الْأَمَانَةِ وَالإِنْصَافِ وَالشِّيَمِ
فَالْمَجْدُ أَسْمَى مِنَ الأَحْقَادِ نَحْمِلُهُ
وَالْحُرُّ يَسْمُو عَلَى التَّصْغِيرِ وَالْخِصَمِ
يَا أُمَّةَ الْعِلْمِ، هَلْ تَدْرِينَ مَا سَبَبُ الـ
تَّأْخِيرِ إِلَّا تَوَانِينَا عَنِ الْهِمَمِ؟
يَا رَبِّ إِنَّا ضِعَافٌ فِي مَسِيرَتِنَا
وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِالْإِسْرَارِ وَالْهِمَمِ
فَاغْفِرْ ذُنُوبًا كَثِيرًا أَنْتَ سَاتِرُهَا
وَامْحُ الْخَطَايَا بِفَيْضِ الْعَفْوِ وَالْكَرَمِ
وَاخْتِمْ بِحُسْنِ رِضَاكَ الْعُمْرَ أَجْمَعَهُ
وَاجْعَلْ جِنَانَكَ مَأْوَانَا مِنَ الْأَلَمِ
الخاتمة
هَذِي قَصِيدَتُنَا وَالْقَلْبُ يَنْظِمُهَا
فَإِنْ أَصَبْنَا فَمِنْ فَضْلِ الإِلَهِ لَنَا
وَإِنْ أَسَأْنَا فَحَسْبُ الْعَبْدِ مَعْذِرَةٌ
وَاللَّهُ أَرْجَى لِعَبْدٍ سَائِلٍ نَدِمِ
وَصَلِّ رَبِّ عَلَى طَهَ النَّبِيِّ وَمَنْ
قَدْ جَاءَ بِالنُّورِ لِلْآفَاقِ وَالأُمَمِ
مَا دَامَ فِي الأَرْضِ قَلْبٌ يَذْكُرُ اسْمَهُ
وَمَا تَرَنَّمَ طَيْرٌ فَوْقَ مُعْتَصِمِ
