تيار يحمل الغالي والرخيص
بقلم/ أ.د.أحمد سلامة
التيار لا يفرّق بين ما يلتقطه في مجراه؛ يحمل الغالي كما يحمل الرخيص، يرفع اللؤلؤة كما يرفع الحصى، ويُغرق في طياته ما يستحق وما لا يستحق. ومن الخطأ أن نُطلق على هذا التيار اسمًا يخص الدين، فنقول “التيار الإسلامي”، لأن الإسلام ليس تيارًا بشريًا، بل هو وحيٌ إلهيٌّ محفوظ، لا يختلط فيه الحق بالباطل، ولا يُقاس بموازين البشر المتقلبة.
أما الفكر، فهو صناعة الإنسان، قابل للصواب والخطأ، يعلو حين يقترب من الحق، ويهبط حين يبتعد عنه. لذلك لا وجود لما يُسمى “الفكر الإسلامي”، فالإسلام من عند الله، والفكر من عند الإنسان؛ الإسلام نورٌ مطلق، والفكر ظلٌّ يتفاوت بين العتمة والضياء.
إن أخطر ما يواجهنا ليس اختلاف الأفكار، بل التلاعب بالمصطلحات. حين يُقال “غزو فكري”، يُخيّل للناس أن العقول تُحتل كما تُحتل الأرض، بينما الحقيقة أن العقل لا يُغزى إلا إذا استسلم صاحبه، ولا يُنهزم إلا إذا ترك سلاحه: سلاح الوعي والتمييز.
المصطلحات ليست مجرد كلمات؛ إنها أبوابٌ تُفتح على العقول. فإذا أُسيء استخدامها، دخل منها الوهم، وتسلل منها الخلط بين المقدس والبشري، بين الثابت والمتغير. الإسلام لا يُختزل في تيار، ولا يُحاصر في فكر، لأنه من عند الله، بينما الفكر من عند الإنسان، والفرق بينهما كالفرق بين النور الذي لا ينطفئ والشمعة التي قد تنطفئ مع أول ريح.
