حين يتحول الدجال إلى مرآة المجتمع

nagah hegazy

حين يتحول الدجال إلى مرآة المجتمع

Thank you for reading this post, don't forget to subscribe!

قراءة نقدية في مقال: «كلنا المسيخ الدجال: زمن الدجالين ومجتمع الشيزوفرنيا»

الكاتب:

  • بقلم: ا.د أحمد سلامة (صاحب المقال الأصلي)
  • قراءة نقدية: د. رمضان بلال
بعض النصوص لا تُقرأ بوصفها مقالات فحسب، بل بوصفها صدمات فكرية تُجبر القارئ على مواجهة صورته داخل المرآة. ومقال «كلنا المسيخ الدجال» للأستاذ الدكتور أحمد سلامة ينتمي إلى هذا النوع من الكتابة التي تتجاوز الوصف إلى الإدانة، وتتجاوز التحليل إلى كشف الذات الجماعية في أكثر لحظاتها قسوة وصدقًا.
ينطلق الكاتب من فكرة صادمة تقوم على إعادة توظيف المفهوم الديني لـ“المسيخ الدجال” ليصبح رمزًا اجتماعيًا وأخلاقيًا، لا مجرد انتظار غيبي لحدث آخر الزمان. فالدجال، في رؤية المقال، لم يعد شخصية قادمة، بل أصبح حالة قائمة، تتجسد في السلوك اليومي، وفي المؤسسات، وفي تناقضات الإنسان نفسه.
تبدأ الفكرة المركزية بوضوح:
“نحن نعيش في مجتمع مريض بانفصام الشيزوفرنيا: يشتم الفساد صباحًا، ويمارسه مساءً.”
هذه الجملة التأسيسية تختصر الرؤية كلها؛ فهي لا تتهم مؤسسة بعينها، بل تصف بنية اجتماعية مزدوجة المعايير، يعيش فيها الإنسان حالة انفصام بين القول والفعل، وبين القيم المعلنة والسلوك الواقعي.
ثم ينتقل الكاتب إلى توسيع دائرة “الدجال” ليصبح مفهومًا سلوكيًا يوميًا:
كل من يزيّف الحقائق، ويخدع الناس، ويستعبد العقول، هو صورة من صور الدجال.
هنا تتحول الفكرة من إطار ديني غيبي إلى نقد أخلاقي شامل، يجعل من “الدجل” سلوكًا بشريًا عامًا يمكن أن يمارسه أي فرد داخل المجتمع، بدرجات مختلفة.
وتكمن قوة المقال في جرأته على تفكيك القداسة الاجتماعية الزائفة، حين يضع أفراد المجتمع أنفسهم في دائرة الاتهام:
المرتشي من المجتمع
المفسد من المجتمع
المتقاعس عن واجبه من المجتمع
المحتكر من المجتمع
هذه القائمة ليست مجرد إدانة، بل محاولة لكسر فكرة “الآخر الفاسد” واستبدالها بفكرة “المسؤولية الجماعية”، وهي من أكثر النقاط عمقًا في النص.
كما ينجح الكاتب في توظيف المفارقة الساخرة حين يقول:
“نلعن الفساد ونمارسه… نكره الفوضى ونصنعها…”
وهنا تتجلى “ازدواجية السلوك” باعتبارها لبّ الأزمة، لا مجرد استثناءات فردية. فالمشكلة ليست في وجود الخطأ، بل في اعتياده وتبريره وإعادة إنتاجه بشكل يومي.
وفي محور “دجال المؤسسات”، ينتقل المقال إلى مستوى أكثر خطورة، حيث لا يعود الحديث عن أفراد فقط، بل عن أنظمة كاملة:
تعليم يفقد وظيفته
إعلام يزيّف الوعي
سياسة ترفع الشعارات
اقتصاد يقدّس الربح
هذا التحليل يقترب من النقد البنيوي للمجتمع، حيث يصبح الفساد منظومة متكاملة لا يمكن اختزالها في شخص أو جهة واحدة.
لكن الأهم في المقال هو تحوله في نهايته من التشخيص إلى المسؤولية الفردية:
“لست متفرجًا، بل جزء من المشهد.”
هذه الجملة تمثل نقطة التحول الفكرية الكبرى؛ إذ ينقل الكاتب القارئ من موقع المتلقي إلى موقع الشريك في الفعل، ومن الإدانة الخارجية إلى المراجعة الذاتية.
قراءة فكرية
المقال يقوم على ثلاث طبقات أساسية:
طبقة دينية رمزية: إعادة تعريف الدجال كفكرة لا كشخص.
طبقة اجتماعية نقدية: تشخيص سلوكيات المجتمع اليومية.
طبقة أخلاقية مسؤولية: تحميل الفرد مسؤولية التغيير.
ملاحظات فكرية
رغم قوة الطرح، فإن المبالغة في التعميم (“كلنا دجالون”) تحمل بعدًا صادمًا قد يفتح بابًا للتأمل، لكنه قد يحتاج إلى توازن أكبر بين النقد والإمكان الإصلاحي، حتى لا يتحول الخطاب إلى جلد ذاتي شامل.
خلاصة القراءة
هذا المقال ليس مجرد تشخيص لواقع اجتماعي، بل هو دعوة لإعادة تعريف مفهوم الفساد والدجل من منظور شامل، يجعل كل فرد أمام مسؤوليته الأخلاقية المباشرة. إنه نص يزعج بقدر ما يوقظ، ويُحرج بقدر ما يكشف، ويضع القارئ أمام سؤال لا مفر منه: أين أنا من كل هذا؟
تحية تقدير للأستاذ الدكتور أحمد سلامة على هذا النص الجريء الذي يحاول أن يعيد تشكيل الوعي عبر الصدمة الفكرية، ويؤكد أن مقاومة الدجل لا تبدأ من الخارج، بل من داخل الإنسان نفسه.
Share This Article
اترك تعليقا

شاركنا برأيك.. يسعدنا سماع وجهة نظركإلغاء الرد

error: Content is protected !!
Exit mobile version