خارج سجن الأرقام: حين يرفض العقل أن يتقاعد
بقلم: أ. د. أحمد سلامة
أستاذ الرياضيات وعلوم الحاسب – جامعة بورسعيد
هناك أخطاءٌ تصنعها المؤسسات بحسن نية، لكنها تصبح مع مرور الزمن أكثر كلفة من القرارات السيئة ذاتها. ولعل أخطر هذه الأخطاء أن نتعامل مع الإنسان كما نتعامل مع آلة لها تاريخ انتهاء، فنقرر في لحظة إدارية واحدة أن سنوات الخبرة قد انتهت صلاحيتها، وأن العقل الذي ظل يبني ويبحث ويعلّم ويبتكر لعقود، عليه فجأة أن يغادر المشهد لأن رقماً في شهادة الميلاد قال ذلك.
المشكلة ليست في التقاعد بوصفه حقاً لمن يريد الراحة بعد رحلة طويلة من العمل؛ بل في تحويله إلى حكم آلي على القدرة والإبداع.
فالإنسان لا يشيخ بالطريقة نفسها التي تشيخ بها الآلات، والعقول لا تتحرك وفق معادلة خطية تقول إن زيادة العمر تعني بالضرورة نقصان القدرة. قد تتراجع طاقة جسدية هنا، بينما تتضاعف خبرة هناك؛ وقد يقل الاندفاع، لكن تنمو الحكمة والقدرة على رؤية الصورة الكاملة.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه لم يعد: كم بلغ الإنسان من العمر؟
بل: ماذا لا يزال قادراً على أن يقدم؟
آمال إسماعيل.. حين تحولت الشيخوخة النشطة إلى سيرة حياة
في يوليو 2026، قدمت الباحثة المصرية آمال إسماعيل متولي عبده إجابة عملية لا تحتاج إلى كثير من التنظير، عندما ناقشت في كلية الآداب بجامعة المنصورة رسالتها للدكتوراه وهي في الثالثة والثمانين من عمرها.
والمفارقة الجميلة أن موضوع رسالتها كان: «الشيخوخة النشطة وعلاقتها ببعض المتغيرات السوسيولوجية»؛ أي أنها لم تكتفِ بدراسة الشيخوخة النشطة، وإنما تحولت هي نفسها إلى نموذج حي لها.
رحلتها التعليمية لم تكن طريقاً مستقيماً؛ عرفت الانقطاع والمرض والتحديات الأسرية والاجتماعية، ثم عادت إلى التعليم في مراحل عمرية يعتقد كثيرون خطأ أنها لا تصلح إلا للاستقرار والانسحاب. وقد عادت إلى مقاعد الدراسة وحصلت على الشهادة الإعدادية في الثامنة والثلاثين، لتواصل بعد ذلك رحلتها الطويلة نحو التعليم الجامعي والدراسات العليا.
إنها رسالة تتجاوز صاحبتها؛ فالجامعة هنا لم تمنح امرأة في الثالثة والثمانين شهادة دكتوراه فحسب، بل شهدت أمام المجتمع بأن العقل لا يمتلك تاريخ صلاحية.
وهذا يتقاطع بوضوح مع مفهوم «الشيخوخة النشطة» الذي طرحته منظمة الصحة العالمية باعتباره عملية تستهدف تحسين فرص الصحة والمشاركة والأمان بما يعزز جودة الحياة مع التقدم في العمر. أي أن المسألة ليست أن نحافظ على كبار السن أحياء فقط، وإنما أن نُبقيهم فاعلين. وهناك فارق حضاري هائل بين الاثنين.
وجون جوديناف.. عالم لم يعترف بعدّاد السنوات
وعلى الجانب الآخر من العالم، يقدم لنا تاريخ العلم نموذجاً أكثر إثارة.
العالم الأمريكي جون ب. جوديناف، أحد أبرز العلماء الذين أسهموا في تطوير بطاريات الليثيوم-أيون، تقاعد من جامعة أكسفورد وانتقل عام 1986 إلى جامعة تكساس في أوستن، حيث واصل أبحاثه لسنوات طويلة بعد العمر التقليدي للتقاعد.
ثم جاءت اللحظة التي تكاد وحدها تكفي لإعادة التفكير في فلسفة التقاعد العلمي كلها: في عام 2019 حصل جوديناف على جائزة نوبل في الكيمياء وهو في السابعة والتسعين من عمره، ليصبح وقتها أكبر شخص سناً يحصل على جائزة نوبل.
تأملوا المفارقة: عمرٌ تعتبره أنظمة إدارية كثيرة زمناً بعيداً جداً عن الإنتاج، بينما كان صاحبه يقف على منصة نوبل بوصفه واحداً من أهم علماء عصره. هنا يصبح العمر مجرد متغير في المعادلة، لا ناتجها النهائي.
المشكلة في الخوارزمية لا في العمر
بوصفي متخصصاً في الرياضيات وعلوم الحاسب، أرى أن بعض سياساتنا تجاه العمر تشبه خوارزمية سيئة التصميم. نعطيها متغيراً واحداً هو «السن»، ثم نطلب منها اتخاذ قرار شديد التعقيد هو: هل ما زال هذا الإنسان صالحاً للعطاء؟
وهذا خطأ منهجي؛ فلو أردنا بناء نموذج عادل لتقييم القدرة على الاستمرار، فلابد أن تدخل فيه متغيرات أخرى:
الإنتاجية
الصحة
الخبرة
القدرة المعرفية
الرغبة في الاستمرار
الحاجة المؤسسية
القدرة على تدريب الأجيال الجديدة
وهنا يمكن للمنطق النيتروسوفيكي أن يقدم لنا رؤية مختلفة؛ لأنه لا يحبس الإنسان في ثنائية قاسية: (قادر أو غير قادر، منتج أو غير منتج، شاب أو مسن). بين طرفي المعادلة توجد مناطق واسعة من الاحتمال والحياد وعدم اليقين:
قد لا يستطيع أستاذ في الخامسة والسبعين تحمل أعباء إدارية يومية مرهقة، لكنه يستطيع الإشراف على باحثين شباب بكفاءة استثنائية.
وقد لا يستطيع مهندس متقاعد العمل عشر ساعات يومياً، لكنه يستطيع تقديم ساعتين من الاستشارات تختصران على مؤسسة كاملة أسابيع من التجربة والخطأ.
وقد يكون الطبيب الكبير أقل قدرة على المناوبات الشاقة، لكنه يمتلك من الخبرة التشخيصية ما لا توفره عشرات الكتب.
إذن لماذا يكون قرارنا الوحيد هو: إما وظيفة كاملة، وإما خروج كامل؟
من اقتصاد الرعاية إلى اقتصاد الحكمة
هنا تتجاوز القضية حدود المشاعر والتكريم الاجتماعي لتصبح قضية اقتصادية.
إن العالم يتجه بصورة متزايدة إلى التفكير فيما يسمى الاقتصاد الفضي (Silver Economy)؛ أي الاقتصاد المرتبط بالسكان الأكبر سناً وما يمثلونه من خبرة وقدرة شرائية وإنتاجية ومعرفية.
لكنني أرى أننا بحاجة إلى الذهاب خطوة أبعد، نحو ما يمكن أن نسميه «الاقتصاد الرمادي النيتروسوفيكي»؛ وهو تصور لا ينظر إلى الإنسان المتقدم في العمر باعتباره منتجاً كاملاً أو شخصاً محتاجاً للرعاية بالكامل، بل يقيس حالته وقدراته بصورة متعددة الأبعاد، ثم يبحث عن المساحة المناسبة لاستثمار خبرته.
وقد طرحتُ في هذا الإطار فكرة الانتقال من مجرد رعاية كبار السن إلى تمكينهم، وربط الجامعات ومؤسسات الدولة بخبراتهم، والتفكير في أدوات مثل «بطاقة الخبير» التي تتيح لمن يمتلكون خبرات نادرة تقديم الاستشارات والمشاركة في التدريب ونقل المعرفة بعد التقاعد.
فلماذا نخسر أستاذاً جامعياً قضى أربعين عاماً في تخصص نادر؟
ولماذا يبدأ كل جيل من الصفر بينما يجلس أصحاب الخبرة بعيداً عن دوائر القرار؟
إن الدول لا تهدر الأموال فقط؛ أحياناً تهدر شيئاً أكثر خطورة: الذاكرة المؤسسية.
التقاعد حق.. والإقصاء ليس حقاً
وهنا يجب ألا يُساء فهم الفكرة.
لست أدعو إلى إلغاء التقاعد أو إجبار الإنسان على العمل حتى آخر العمر. التقاعد حق إنساني واجتماعي لمن أراد أن يستريح، ولا يجوز تحويل استمرار العمل إلى عبء إجباري.
لكنني أدعو إلى الفصل بين مفهومين مختلفين تماماً:
التقاعد الاختياري من العمل.
الإقصاء الإجباري من العطاء.
من أراد الراحة، فله كامل الحق فيها. ومن امتلك الصحة والرغبة والكفاءة والإنتاجية، فلماذا نغلق أمامه الباب لمجرد أنه عبر رقماً محدداً؟
الحضارة الذكية لا تسأل خبراءها: «كم أعماركم؟» قبل أن تسألهم: «ماذا تعرفون؟ وماذا يمكن أن تنقلوا إلى الأجيال التالية؟».
لنجعل الإنتاجية هي المتغير الحاكم
تخبرنا قصة آمال إسماعيل أن الإنسان قد يبدأ فصلاً جديداً من حياته في عمر يعتقد الآخرون أن الكتاب كله قد انتهى. ويخبرنا جون جوديناف أن منصة نوبل قد تنتظر عالماً في السابعة والتسعين.
وبين النموذجين حقيقة واحدة: لا توجد دالة رياضية تجعل الإبداع صفراً بمجرد الوصول إلى سن معينة.
ربما حان الوقت لأن تعيد الجامعات ومراكز البحوث والمؤسسات المهنية تصميم فلسفة ما بعد التقاعد عبر:
عقود خبرة مرنة
أستاذية بحثية ممتدة
برامج للإشراف والتوجيه
مجالس للخبراء
منصات لنقل المعرفة بين الأجيال
مع تقييم دوري حقيقي يعتمد على القدرة والإنتاج، لا على شهادة الميلاد وحدها.
فالحضارات لا تبنى بالشباب وحدهم، ولا بخبرة الشيوخ وحدها؛ بل تبنى عندما تتصل طاقة البدايات بحكمة النهايات في معادلة واحدة.
والعمر، في النهاية، ليس سجناً للأرقام. إنه متغير واحد فقط في معادلة الإنسان، أما الثابت الحقيقي فهو قيمة ما يستطيع أن يمنحه للحياة ما دام قادراً على العطاء.
عن الكاتب:
أ. د. أحمد سلامة: أستاذ الرياضيات وعلوم الحاسب بكلية العلوم – جامعة بورسعيد، ومؤسس المشروع العربي لأدب الرياضيات (الرياضيات الأدبية)، وله العديد من الأبحاث والمؤلفات في مجالات الذكاء الاصطناعي والمنطق النيتروسوفيكي
