مصر في عصر القوة الرقمية
من الحضور على الإنترنت إلى صناعة الصورة الوطنية والتأثير في الرأي العام

إعداد: د/ رمضان بلال
لم يعد الفضاء الرقمي مجرد وسيط جديد لنقل الأخبار والمعلومات، بل تحول إلى مجال استراتيجي تتقاطع داخله السياسة والإعلام والاقتصاد والثقافة والأمن والمجتمع. وفي هذا السياق، تكتسب مصر فرصة استثنائية مع الاتساع الكبير في قاعدة مستخدمي الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي.
وتشير أحدث مؤشرات الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات المنشورة في 2026 إلى وصول عدد مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي في مصر إلى 54.3 مليون مستخدم، مع تسجيل نحو 25.2 مليار زيارة يومياً، وبزيادة في حجم الاستخدام قدرها 5% مقارنة باليوم نفسه من عام 2025. كما بلغ مستخدمو تصفح الإنترنت وتنزيل المحتوى 65.6 مليون مستخدم.
وهذه الأرقام لا ينبغي النظر إليها بوصفها مؤشرات تقنية فقط؛ وإنما باعتبارها مؤشراً على نشوء مجال جديد للقوة الوطنية المصرية. فالدولة التي تمتلك جمهوراً رقمياً بهذا الحجم تستطيع، إذا أحسنت إدارة مواردها البشرية والمعلوماتية والإبداعية، أن تنتقل من مجرد الحضور الرقمي إلى التأثير الرقمي، ومن نقل الرواية الوطنية إلى صناعة الرواية والتأثير في صورتها إقليمياً ودولياً.
وتنسجم هذه الرؤية مع فلسفة رؤية مصر 2030 التي تضع المعرفة والابتكار والتحول الرقمي وتطوير البنية التحتية الرقمية ضمن مسارات التنمية، إلى جانب تعزيز الريادة المصرية إقليمياً ودولياً.
أولاً: مقدمة الدراسة
دخل العالم مرحلة لم تعد فيها الحدود الجغرافية وحدها هي التي تحديد نطاق تأثير الدول؛ فقد أصبح الهاتف المحمول نافذة على العالم، وأصبحت المنصة الرقمية ميداناً للصراع على الانتباه، وأصبح المحتوى قادراً على عبور الحدود في ثوانٍ، بينما تستطيع صورة واحدة أو مقطع فيديو قصير أن يصنع انطباعاً عن دولة بأكملها.
ومن هنا تغير مفهوم القوة؛ فالقوة في القرن الحادي والعشرين لم تعد عسكرية واقتصادية فقط، وإنما أصبحت تشمل:
-
قوة المعرفة
-
قوة التكنولوجيا
-
قوة الصورة
-
قوة السرد
-
قوة التأثير الرقمي
وبالنسبة لمصر، فإن امتلاك قاعدة جماهيرية رقمية ضخمة يفتح مجالاً واسعاً أمام توظيف القوة الناعمة المصرية التي تستند تاريخياً إلى الثقافة والفنون والإعلام والرياضة والأزهر والسياحة والتراث والحضور العربي والإفريقي.
لكن السؤال الأهم ليس: كم عدد المصريين الموجودين على الإنترنت؟
وإنما: كيف يمكن تحويل هذا الحضور الرقمي الهائل إلى قيمة وطنية واقتصادية وثقافية وإعلامية واستراتيجية؟
ثانياً: إشكالية الدراسة
تنطلق الدراسة من إشكالية رئيسية مفادها:
هل تستطيع مصر الانتقال من مرحلة الانتشار الرقمي الواسع إلى مرحلة بناء قوة رقمية وطنية قادرة على صناعة المحتوى والتأثير في الرأي العام وتعزيز صورتها داخلياً وخارجياً؟
ويتفرع من هذا السؤال عدد من التساؤلات المحورية:
-
ماذا يعني وجود أكثر من 54 مليون مستخدم لمنصات التواصل الاجتماعي؟
-
هل كثافة الاستخدام الرقمي تعني بالضرورة امتلاك قوة رقمية؟
-
كيف يمكن توظيف الإعلام الرقمي في تعزيز القوة الناعمة المصرية؟
-
كيف يمكن مواجهة الشائعات والمعلومات المضللة دون الوقوع في فخ الخطاب الدعائي؟
-
ما دور الشباب وصناع المحتوى في بناء الصورة الرقمية لمصر؟
-
كيف يمكن ربط القوة الرقمية بأهداف رؤية مصر 2030؟
-
ما النموذج المؤسسي المطلوب لبناء استراتيجية مصرية متكاملة للقوة الرقمية؟
ثالثاً: فرضية الدراسة
تنطلق الدراسة من فرضية أساسية:
كلما ارتفعت قدرة الدولة على إنتاج محتوى رقمي موثوق وجذاب وقابل للانتشار، وامتلكت أدوات قياس وتحليل واستجابة سريعة، زادت قدرتها على تحويل الكثافة الرقمية إلى قوة ناعمة وتأثير وطني وإقليمي.
وبعبارة أكثر وضوحاً: المستخدمون وحدهم لا يصنعون قوة رقمية.
تستلزم القوة الرقمية اكتمال المعادلة التالية:
رابعاً: الرقم الذي يجب أن نتوقف أمامه
وفق بيانات الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، وصل عدد مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي في مصر إلى 54.3 مليون مستخدم، بينما بلغ عدد الزيارات نحو 25.2 مليار زيارة يومياً.
وهنا ينبغي التفريق علمياً بين عدد المستخدمين وعدد الحسابات أو الهويات الرقمية؛ فالأرقام الصادرة عن الجهات المختلفة قد تستخدم منهجيات مختلفة. فعلى سبيل المثال، يقدّر تقرير Digital 2026 الصادر عن DataReportal عدد هويات مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي في مصر بنحو 51.6 مليوناً في أكتوبر 2025، مع تنبيه التقرير إلى أن هذه الأرقام لا تمثل بالضرورة أفراداً فريدين بنسبة 100%.
وهذا الاختلاف المنهجي لا ينتقص من أهمية الرقم، بل يقودنا إلى نتيجة أكثر أهمية: أياً كانت طريقة القياس، فإن المجتمع المصري أصبح ذا حضور رقمي واسع للغاية، وهو الأصل الاستراتيجي الذي ينبغي البناء عليه.
خامساً: من «المستخدم» إلى «المواطن الرقمي»
هنا نصل إلى التحول المفاهيمي الأهم في الدراسة؛ حيث لم يعد المواطن مجرد متلقٍ للإعلام:
-
البيئة التقليدية: وسيلة إعلام خبر جمهور.
-
البيئة الرقمية الحديثة: حدث هاتف محمول تصوير نشر تفاعل إعادة إنتاج خوارزميات جمهور محلي وعالمي.
وهكذا تحول المواطن إلى عنصر فاعل في الدورة الإعلامية؛ قد يكون شاهداً، أو مصوراً، أو ناشراً، أو معلقاً، أو صانع محتوى، أو مؤثراً، أو مصدراً للخبر، أو صانعاً للرأي العام. وهذه النقلة تفرض على المؤسسات الإعلامية والدولة إعادة التفكير في مفهوم الاتصال الجماهيري.
سادساً: القوة الناعمة المصرية تدخل عصراً جديداً
تمتلك مصر رصيداً هائلاً من عناصر القوة الناعمة (التاريخ الفرعوني، الثقافة العربية، الأزهر، الفن، السينما، الدراما، الموسيقى، الرياضة، السياحة، التراث، الموقع الجغرافي، والحضور الإقليمي والدولي).
لكن امتلاك عناصر القوة الناعمة لا يعني بالضرورة القدرة على توظيفها، وهنا تأتي وظيفة الإعلام الرقمي؛ فبدلاً من أن تنتظر مصر أن يتحدث الآخرون عنها، تستطيع امتلاك قدرة أكبر على: إنتاج القصة المصرية، وتقديمها، وتسويقها، وترجمتها، وتوزيعها عالمياً، بما يتفق مع توجهات رؤية مصر 2030.
سابعاً: القوة الرقمية ليست دعاية
من أخطر الأخطاء اختزال القوة الرقمية في نشر البيانات الرسمية أو الأخبار الحكومية؛ فالقوة الرقمية الحقيقية لا تعني أن تتحدث الدولة عن نفسها طوال الوقت، بل تعني أن يصبح لديها نظام اتصالي قادر على الاستماع والفهم والتفاعل والإقناع في اتجاهين متبادلين:
ومن هنا يصبح تحليل اتجاهات الجمهور ومشكلاته وأسئلته جزءاً رئيسياً من صناعة القرار الإعلامي.
ثامناً: المعركة الحقيقية هي معركة المصداقية
في عالم سريع الانتشار، لا تنتصر المعلومة الصحيحة لمجرد أنها صحيحة، بل قد تنتصر عليها معلومة خاطئة لأنها أكثر إثارة، أسرع انتشاراً، أبسط في صياغتها، أكثر عاطفية، أو أكثر قدرة على جذب الانتباه.
لذلك، فإن مواجهة الشائعات تحتاج إلى إعلام استباقي يقدم المعلومة الصحيحة قبل ترك فراغ معلوماتي. ويتطلب ذلك:
-
سرعة الاستجابة: الزمن عنصر حاسم.
-
لغة بسيطة: المعلومة المعقدة يصعب انتشارها.
-
الصورة والفيديو: المحتوى البصري أكثر قدرة على جذب الانتباه.
-
الشفافية: المواطن يميل إلى تصديق الجهة التي تعترف بالمشكلة وتشرحها.
-
تعدد المنصات: وصول مباشر إلى الجمهور عبر منصاتهم المعتادة.
تاسعاً: الشباب ليسوا جمهوراً فقط
الشباب هم الثروة الرقمية المصرية الأهم، وتتجه الدولة بالفعل إلى الاستثمار في المهارات الرقمية عبر مبادرات مثل «الرواد الرقميون».
وهنا يمكن توسيع المفهوم من التدريب على التكنولوجيا إلى التدريب على صناعة التأثير الرقمي عبر تزويد الشباب بمهارات:
-
الصحافة الرقمية والسرد القصصي
-
صناعة الفيديو والمونتاج والتصوير
-
أدوات الذكاء الاصطناعي وإدارة المنصات
-
التحقق من المعلومات والأمن الرقمي
-
التسويق الرقمي والاتصال الدولي
عاشراً: مصر لا تحتاج فقط إلى «صناع محتوى» بل إلى «صناع رواية»
حادي عشر: القوة الرقمية والاقتصاد
القوة الرقمية هي محرك اقتصادي مباشر يخدم قطاعات متعددة:
ويؤكد توجه الدولة نحو تدريب الكوادر الرقمية وربطها بالصادرات الرقمية أن التحول الرقمي أصل اقتصادي استراتيجي.
ثاني عشر: البعد الأمني والفكري
كلما زاد اعتماد المجتمع على البيئة الرقمية، زادت الحاجة إلى بناء وعي رقمي وطني يهدف إلى بناء مواطن قادر على:
-
التحقق من الأخبار والتمييز بين الرأي والمعلومة.
-
اكتشاف الحسابات الوهمية وأساليب التلاعب الرقمي.
-
التعامل النقدي مع الصور والفيديوهات المفبركة وتزييف الذكاء الاصطناعي التوليدي.
ثالث عشر: التحدي الجديد — الذكاء الاصطناعي
ستُقاس القوة الرقمية المصرية بقدرتها على دمج:
وبذلك تتغير بنية غرفة الأخبار والمؤسسة الإعلامية المستقبلي لتضم: الصحفي، ومحلل البيانات، ومتخصص الذكاء الاصطناعي، وخبير المنصات، والمصمم، ومتخصص الأمن السيبراني.
رابع عشر: نحو «منظومة القوة الرقمية المصرية»
تقترح الدراسة بناء منظومة متكاملة تتكون من سبعة أضلاع رئيسية:
-
المحتوى: إنتاج محتوى مصري احترافي.
-
الإنسان: تأهيل الصحفيين والإعلاميين وصناع المحتوى.
-
التكنولوجيا: استخدام الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات.
-
المنصات: التواجد الاحترافي على جميع المنصات المؤثرة.
-
المصداقية: بناء الثقة المستدامة مع الجمهور.
-
القياس: معرفة اتجاهات مشاهدات وثقة ورفض الجمهور.
-
الاستجابة: امتلاك قدرة سريعة على التعامل مع الأزمات والشائعات.
خامس عشر: المقترح العملي
تقترح الدراسة إنشاء كيان مؤسسي تحت مسمى:
«المركز المصري للرصد والتحليل والتأثير الرقمي»
دورة عمل المركز:
مهام المركز:
-
دراسة اتجاهات الرأي العام والقضايا الأكثر تداولاً.
-
رصد الشائعات وتفكيكها استباقياً.
-
تحليل الصورة الذهنية عن مصر وإبراز الفرص التسويقية عالمياً.
سادس عشر: مؤشرات قياس النجاح
سابع عشر: الرؤية الاستراتيجية
إن تطوير الحضور الرقمي المصري يجب أن يتحول من نشاط إعلامي متفرق إلى سياسة وطنية للقوة الرقمية تتكامل مع رؤية مصر 2030 لضمان بناء منظومة رقمية متكاملة ومؤمنة وتوطين الصناعات الرقمية ودعم الإبداع التكنولوجي.
ثامناً عشر: الخلاصة الاستراتيجية
إن الرقم 54.3 مليون مستخدم هو بداية السؤال الاستراتيجي التحولي:
-
من المستخدم إلى المواطن الرقمي.
-
من المحتوى إلى صناعة المحتوى.
-
من الانتشار إلى التأثير.
-
من رد الفعل إلى الاستباق.
-
من الإعلام التقليدي إلى المنظومة الإعلامية الهجينة.
-
من القوة الناعمة التقليدية إلى القوة الناعمة الرقمية.
معادلة القوة الرقمية المصرية:
ملاحظة منهجية
اعتمدت الدراسة في الجزء الرقمي على أحدث البيانات الرسمية المتاحة من الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، مع الاستعانة ببيانات DataReportal للمقارنة المنهجية، وعلى المصادر الرسمية لرؤية مصر 2030. ويجب عند نشر الدراسة في صورتها الأكاديمية النهائية وضع تاريخ كل مؤشر وتعريفه ومنهجية قياسه.
مراجع أساسية
- رؤية مصر 2030 – رئاسة الجمهورية.
- الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات – مؤشرات استخدام تطبيقات الإنترنت في 2026.
- DataReportal – Digital 2026: Egypt.