القاهرة – غرد بالمصري
أثارت التطورات الميدانية المتسارعة في إثيوبيا تساؤلات حاسمة حول مصير ملف سد النهضة واستقرار القرن الإفريقي، وذلك عقب إعلان سبع جماعات معارضة ومسلحة، الأحد 20 سبتمبر 2026، تشكيل ائتلاف موحد تحت اسم “ائتلاف القوى الشعبية الإثيوبية من أجل البقاء” لإسقاط حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد وتسهيل قيام سلطة انتقالية
ويهدف الائتلاف، بحسب تصريحات نائب رئيس “جبهة تحرير شعب تيغراي” إيمانويل أسيفا، إلى الإطاحة بالسياسات الحالية للحكومة الفيدرالية وتسهيل قيام سلطة انتقالية جديدة، بيان أذاعته تلفزيون تيغراي الرسمية وتلاه قادة المعارضة.
ويضم التكتل الجديد سبعة تنظيمات مسلحة رئيسية، في مقدمتها قوات إقليم تيغراي، ومقاتلو قومية “فانو” في إقليم أمهرة، بالإضافة إلى “جيش تحرير أوروميا”، وفق ما نقلته وكالات أنباء دولية من بينها وكالة فرانس برس ووسائل إعلام إقليمية.
وجاء هذا الإعلان بعد مساعٍ مكثفة كشفت عنها عدة جماعات مسلحة خلال الفترة الماضية لتنسيق تحركاتها الميدانية ضد أديس أبابا، وسط استمرار المواجهات العسكرية في أقاليم أمهرة وأوروميا وتصاعد حدة التوتر في تيغراي.
إعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية
وفي شمال البلاد، تصاعدت المخاوف الأمنية مجدداً عقب حشود عسكرية متبادلة بين القوات الفيدرالية و”جبهة تحرير شعب تيغراي” بالقرب من خطوط التماس، ما أثار تحذيرات دولية من انهيار اتفاق بريتوريا للسلام الموقع عام 2022 وعودة الصراع المسلح الشامل.
وسط هذه التطورات المتسارعة، يتصاعد التساؤل في الأوساط السياسية والإقليمية:
هل تؤثر هذه الاضطرابات الداخلية والتصدعات الإثنية على ملف نهر النيل ومستقبل المفاوضات حول سد النهضة؟
وإلى أي مدى يمكن لهذه التحالفات الجديدة أن تعيد تشكيل التوازنات الجيوسياسية وخريطة النفوذ في منطقة شرق إفريقيا والقرن الإفريقي؟
فرصة استراتيجية لمصر وتراجع قدرات أديس أبابا
وفي هذا الشأن، قال المختص في الشأن العسكري والاستراتيجي المصري، اللواء أركان حرب أيمن عبدالمحسن، في تصريحات خاصة لـ “العربية.نت”:
«إن الاضطرابات والصراعات الداخلية في إثيوبيا تؤثر بالفعل بشكل مباشر على ملف نهر النيل وموقف مصر، حيث تضعف هذه الأزمات من قدرة الحكومة الإثيوبية في أديس أبابا على المناورة السياسية والإقليمية وتؤثر على خطواتها الأحادية، موضحاً أن هذه الاضطرابات قد تجبر أديس أبابا على تركيز جهودها السياسية والأمنية والعسكرية على الاستقرار الداخلي، مما يضعف قدرتها على إدارة الملفات الإقليمية الكبرى.»
وتابع المختص العسكري موضحاً:
«إن الصراعات الداخلية في إثيوبيا تشغل الحكومة الفيدرالية وتحد من قدرتها المالية والسياسية على المضي قدماً في أي مشروعات مائية جديدة أو سدود إضافية على النيل الأزرق، مؤكداً أن هذه الضغوط المتسارعة تمثل فرصة استراتيجية لمصر لتعزيز موقفها التفاوضي أو التركيز على الهدوء الحذر ومراقبة التطورات المرتبطة بـ سد النهضة والمشروعات الإثيوبية الإضافية على النيل الأزرق.»
وأضاف اللواء أيمن عبد المحسن قائلاً:
«إن التوترات الحالية في القرن الأفريقي والبحر الأحمر تعيد من جديد التأكيد على ضرورة تنحي ملف المياه عن هذه الصراعات حتى لا تتأثر المصالح المائية لدول حوض النيل، لافتاً إلى أن الدولة المصرية تعتمد بأكثر من 98% من مواردها المائية المتجددة على نهر النيل، وتعتبر الأمن المائي المصري قضية أمن قومي وجودية.»
الملف المائي رهينة للأجندات السياسية
من ناحيته، قال الدكتور هيثم عمران، أستاذ العلوم السياسية والقانون الدولي بجامعة السويس، في تصريحات خاصة لـ “العربية.نت”و”الحدث.نت”:
«إن تمركز إثيوبيا في قلب الاضطرابات الأمنية ليس شأناً داخلياً فحسب، بل متغيّر جيوسياسي يعيد تشكيل التوازنات في شرق إفريقيا، فقد كشف الصراع مع إقليم تيغراي عن هشاشة البنية الاتحادية للدولة، مما دفع أديس أبابا إلى تصدير أزمتها الداخلية وافتعال مواجهات مع الجوار للهروب من استحقاقات الاستقرار السياسي والاجتماعي.»
وأضاف الدكتور هيثم عمران موضحاً الموقف القضائي والدولي:
«إن هذا السلوك التصادمي عمّق الأزمة مع مصر والسودان، حيث اقترن النزاع الداخلي بتعنت واضح في ملف سد النهضة وترسيخ سياسة فرض الأمر الواقع بالملء الأحادي، إلى جانب التوترات الحدودية، مشيراً إلى أنه بالنسبة للقاهرة والخرطوم، لم تعد المسألة مجرد خلاف فني حول قواعد التشغيل، بل تهديد مباشر وأساسي للأمن المائي والقومي لدولتي المصب.»
وأشار عمران إلى تبعات التفكك الداخلي قائلاً:
«إن حالة عدم الاستقرار في دولة المنبع تجعل الملف المائي رهينة للأجندات السياسية الضيقة، وتعرقل أي فرص للحوار العقلاني، موضحاً أنه لن يتحقق الاستقرار الإقليمي أو يصان الاستخدام العادل لمياه النيل إلا باتفاق قانوني ملزم يضمن حقوق الجميع، ويُبعد المنطقة عن كابوس الصراعات الممتدة على الموارد.»
