مَعَادِن
كلمات حمدي عبدالوهاب
مَعَادِن
ليسَ البريقُ دليلَ صِدقِ جواهرٍ
فالبرقُ يلمعُ لحظةً ثمَّ الغِيابْ
والبحرُ يبدو للعيونِ مسالمًا
ويضمُّ في قعرِ السكونِ لهيبَ عذابْ
والنارُ لا تُعطي المعادنَ قدرَها
حتى تزيلَ عن النفيسِ من الحجابْ
فإذا ادَّعتْ خاماتُها زهوَ المدى
جاءَ اللهيبُ بحكمةِ الفصلِ والخِطابْ
فالذهبُ المكنونُ يزدادُ السَّنا
ويعودُ من وهجِ اللظى خيرَ اكتسابْ
والعودُ كلَّمَا اكتوى متألِّمًا
أهدى إلى الدنيا شذىً دونَ اغتصابْ
أمّا الزجاجُ فكمْ توهَّمَ رفعةً
حتى أتاهُ الصدقُ عندَ اقترابْ
فتناثَرَ الوهمُ الكبيرُ كأنَّهُ
حُلْمٌ تفرَّقَ في مَهَبِّ السرابْ
والناسُ مثلُ معادنٍ في باطنٍ
لا يُستبانُ بظاهرٍ أو بانتسابْ
قد يُعجبُ الأبصارَ بَهْرَجُ سطحِهِ
ويظلُّ يخشى لحظةَ الكشفِ والحسابْ
حتى إذا دارتْ رحى أيّامِهِ
سقطَ القناعُ وضاعَ زيفُ الادِّعابْ
فترى الكريمَ يزيدُهُ مرُّ الأسى
حلمًا، ويعلو فوقَ أسبابِ العِقابْ
وترى اللئيمَ إذا تمكَّنَ لحظةً
ألقى على وجهِ المروءةِ ألفَ بابْ
علَّمتني كفُّ الليالي أنَّما
الأصلُ يبقى، والزخارفُ للذهابْ
والقولُ إنْ لم تُحيِهِ أفعالُهُ
ريحٌ تمرُّ كأنَّها نَفَسُ السحابْ
والعمرُ ميزانُ الحقائقِ كلِّها
لا يستوي فيه اليقينُ معَ ارتيابْ
فدعِ الزمانَ يَفُضُّ خَتْمَ خفايَاهمْ
فالوقتُ أصدقُ شاهدٍ يومَ الحسابْ
يبقى الوفيُّ منارةً متألِّقًا
فوقَ العواصفِ حينَ يشتدُّ الضبابْ
وتذوبُ نارُ الخائنينَ كأنَّها
ملحٌ تلاشى في عبابٍ مستذابْ
فالناسُ تُعرَفُ بالشدائدِ لا بما
قالتْهُ يومًا من بليغِ خِطابْ
والذهبُ يبقى ذهبَهُ أبدًا إذا
مرَّتْ عليهِ من الخطوبِ صعابْ
إنَّ المعادنَ لا تُرى في يُسرِها
لكنْ تُرى عندَ الشدائدِ في الإيابْ
فإذا تساوى الناسُ تحتَ مجاهرٍ
بَقِيَ الأصيلُ… وضاعَ أهلُ السرابْ
