ملكة النور وقاهرة الظلام إيزيس… الحكاية التي بدأت من بين أنقاض الموت وانتهت بولادة الأمل

By nagah hegazy

إيزيس… الحكاية التي بدأت من بين أنقاض الموت وانتهت بولادة الأمل

ملكة النور وقاهرة الظلام إيزيس... الحكاية التي بدأت من بين أنقاض الموت وانتهت بولادة الأمل

بقلم: د. رمضان بلال

في مصر القديمة، حيث لم تكن الحكايات تُروى لمجرد التسلية، وحيث كان المصري القديم يرى في كل شروق للشمس انتصارًا جديدًا على الظلام، وُلدت أساطير تشبه المرايا؛ كلما نظرنا فيها بعد آلاف السنين، رأينا شيئًا من أنفسنا.

وفي واحدة من أكثر تلك الحكايات سحرًا ووجعًا، تقف امرأة أمام الموت…

كانت تلك المرأة إيزيس… ومن هنا تبدأ الحكاية.

حين سرق الظلام وجه الحياة

كان أوزيريس، في الأسطورة المصرية، رمزًا للحياة والخصب والنظام، وكان ست، أخوه، يمثل قوة الصراع والفوضى. لكن الصراع لم يكن مجرد معركة بين أخوين؛ لقد كان صراعًا بين عالمين: عالم يريد للحياة أن تستمر، وآخر يريد للفوضى أن تبتلع كل شيء.

وفي لحظة غادرة، يسقط أوزيريس قتيلًا، وتتبعثر أجزاؤه، ويبدو أن الحكاية انتهت… لكنهم لم يعرفوا إيزيس جيدًا. فحين ظن الجميع أن الموت قال كلمته الأخيرة، بدأت هي في كتابة الجملة التالية. خرجت تبحث عن زوجها، تتنقل بين الأماكن، تفتش عن جسده، وتجمع ما بعثرته يد الموت.

وكان يمكنها أن تستسلم… لكن إيزيس لم تكن تعرف الاستسلام.

امرأة تمشي خلف المستحيل

تخيلوا المشهد… امرأة وحيدة تسير في عالم امتلأ بالخوف، تحمل في قلبها حزن زوج فقدته، وأملًا لا يراه أحد. كلما وجدت جزءًا من أوزيريس، ضمته إليها؛ وكأنها لم تكن تجمع جسد رجل فحسب، وإنما كانت تجمع أجزاء الحياة نفسها.

كان الموت قد بعثر الجسد… لكن الحب كان يعيد جمعه.

وهنا تتحول الأسطورة إلى شيء أكبر من الأسطورة؛ فإيزيس لا تصبح فقط زوجة تبحث عن زوجها، وإنما تصبح رمزًا لكل إنسان وقف يومًا أمام الخراب وقال: «لن تكون هذه النهاية».

ثم جاء حورس…

ولأن الحياة لا تموت بسهولة، جاء حورس؛ الابن الذي حمل في عروقه ذاكرة أبيه، وفي قلبه حماية أمه، وفي مستقبله وعدًا باستعادة النظام.

أخفته إيزيس عن عيون الخطر، وربته بعيدًا عن بطش ست. كانت تعرف أن طفلها ليس طفلًا عاديًا في الحكاية؛ إنه امتداد للحياة التي حاول الظلام أن يقتلها.

وهكذا لم تكن إيزيس تحارب من أجل الماضي وحده، كانت تحمي المستقبل. وهذه ربما واحدة من أعمق رسائل الأسطورة: أن الإنسان لا يعيش من أجل ما فقده فقط، بل من أجل ما يجب أن يبقى بعده.

لماذا «ملكة النور»؟

لم يكن «ملكة النور وقاهرة الظلام» لقبًا تاريخيًا حرفيًا لإيزيس في النصوص المصرية القديمة، وإنما هو وصف أدبي حديث يمكن أن يلخص جانبًا عميقًا من رمزيتها.

فالنور هنا ليس مجرد ضوء الشمس؛ النور هو الحكمة، والنور هو الأمل، والنور هو الحياة حين ترفض أن تستسلم للموت. أما الظلام، فهو ليس الليل وحده؛ إنه الخوف، والفوضى، والفقد، والظلم، واليأس.

وفي هذه القراءة الرمزية، تقف إيزيس في المسافة الفاصلة بين العالمين، تحمل في يدها الحزن، وفي اليد الأخرى الأمل:

  • تسقط دمعة… ثم تنهض.

  • يختفي شيء من الحياة… فتبحث عنه.

  • يقترب الموت… فتستدعي إرادة الحياة.

وهكذا أصبحت، في الذاكرة الأدبية، ملكة للنور وقاهرة للظلام.

لم تكن قوتها في السيف

أجمل ما في إيزيس أن قوتها لم تكن قوة المحارب الذي يرفع سيفه. كانت قوتها في شيء أكثر عمقًا:

  • في المعرفة.

  • في الصبر.

  • في الحيلة.

  • في الوفاء.

  • في القدرة على حماية من تحب.

  • وفي الإيمان بأن المستحيل قد يكون مجرد باب لم يُفتح بعد.

ولهذا تبدو إيزيس مختلفة عن كثير من الشخصيات الأسطورية؛ إنها لا تنتصر لأنها الأقوى جسدًا… بل لأنها الأكثر إصرارًا على ألا تسمح للشر بأن يكتب النهاية.

من جدران المعابد إلى قلب الإنسان

ربما انتهت الحضارة التي عبدت آلهتها القديمة، وتغيرت الأزمان، وتبدلت العقائد، لكن بعض الحكايات لا تموت؛ تبقى لأنها تتحدث بلغة يفهمها الإنسان في كل عصر.

  • كل أم تخاف على طفلها تستطيع أن تفهم شيئًا من خوف إيزيس.

  • وكل إنسان فقد عزيزًا يعرف معنى أن يبحث القلب عن أثر لمن رحل.

  • وكل من وقف أمام أزمة ظن أنها النهاية، يستطيع أن يرى نفسه في تلك المرأة التي رفضت أن تقول: “انتهى كل شيء”.

لقد قالت الأسطورة، بطريقتها الخاصة: قد يموت الجسد… لكن الأمل لا يموت.

إيزيس… حين يصبح الحب قوة

وربما كانت أعظم رسالة في حكاية إيزيس أن الحب ليس دائمًا شعورًا هادئًا. أحيانًا يكون الحب قوة:

  • قوة تدفع الإنسان إلى البحث حين يتوقف الآخرون.

  • وقوة تجعله يحمي المستقبل حين ينهار الحاضر.

  • وقوة تمنحه القدرة على مواجهة الظلام دون أن يتحول هو نفسه إلى ظلام.

وهنا تكمن عظمة الرمز؛ فإيزيس لم تكن فقط امرأة تبحث عن أوزيريس… كانت صورة للإنسان الذي يبحث عن المعنى وسط الفقد.

وفي النهاية…

حين نعود إلى مصر القديمة، ونقف أمام معابدها التي ما زالت تقاوم الزمن، يمكننا أن نفهم لماذا بقيت إيزيس حاضرة في الذاكرة.

فالحضارات قد تسقط، والقصور قد تتحول إلى أطلال، والملوك قد يصبحون أسماء في كتب التاريخ… لكن الحكاية التي تحمل معنى إنسانيًا حقيقيًا لا تموت.

ولهذا يمكن أن نرى إيزيس، في القراءة الأدبية الحديثة، لا بوصفها مجرد شخصية من أسطورة قديمة، وإنما بوصفها رمزًا خالدًا لكل امرأة، ولكل أم، ولكل إنسان، وقف أمام ظلام الحياة وقال: «لن أستسلم».

ومن بين ركام الموت… جمعت إيزيس ما تبقى من الحياة.

ومن قلب الظلام… أشعلت شمعة الأمل.

ولهذا، ربما يحق لنا أن نسميها: ملكة النور… وقاهرة الظلام.

Share This Article
Leave a review

"شاركنا برأيك.. يسعدنا سماع وجهة نظرك"

error: Content is protected !!