الفتن والملاحم بين النص النبوي والواقع: من 1998 إلى 2026

رحلة في العراق والشام والسفياني والروم والترك وإسرائيل والأقصى

By nagah hegazy

إعداد وتأليف: د/ رمضان بلال

الفصل الأول: حين بدأ السؤال من العراق

لم تكن الحكاية قد بدأت بعد.

كانت المنطقة تبدو، في أواخر القرن العشرين، وكأنها خرجت لتوّها من حرب لتدخل في انتظار حرب أخرى.

والقدس والمسجد الأقصى لم يغادرا وجدان العرب والمسلمين.

وفي مكان آخر من المشهد، كانت كتب الفتن والملاحم تُقرأ غالبًا باعتبارها نصوصًا تتحدث عن زمن بعيد، وعن أحداث لم تقع بعد.

ثم جاء عام 1998.

وفي ذلك العام ظهر كتاب الدكتور فاروق أحمد الدسوقي:

«البيان النبوي: بدمار إسرائيل الوشيك وتحرير الأقصى وأمارات الساعة»

وتثبت الفهارس الببليوغرافية أن الكتاب صدر سنة 1998، في طبعته الأولى، في 88 صفحة.

وهنا بدأت نقطة الاختبار التي اخترناها لهذه الدراسة.

لم يكن السؤال: هل ستقع الفتن؟ فهذا سؤال مختلف.

بل كان السؤال: إذا ربط باحثٌ معاصر نصوص الفتن بأحداث قريبة الوقوع، فماذا سيحدث عندما يتركنا الزمن نرى بقية القصة؟

وهذه هي المسافة التي صنعت كتابنا.

العراق… الباب الذي لم يُغلق

قبل أن ندخل إلى بغداد، علينا أن نفهم لماذا احتل العراق هذه المساحة الكبيرة في الأدبيات التي درسناها.

في مقدمة كتابه «العراق في أحاديث وآثار الفتن»، يصف مشهور بن حسن آل سلمان العراق باعتباره محورًا في دراسة الفتن، ويؤكد أنه جمع الأحاديث والآثار المتعلقة بالفتن التي وقعت أو ستقع في العراق وما جاورها، مع محاولة تخريجها والحكم عليها وربطها بما وقع تاريخيًا. كما ينتقد بشدة العجلة في إسقاط الأحاديث على الأحداث المعاصرة والتنبؤ بأوقات محددة من غير دليل صريح.

وهذه نقطة مهمة جدًا؛ فصاحب الكتاب نفسه لا يقول إن كل ما يحدث في العراق هو تحقق لرواية نبوية، بل يجعل نقد عملية الإسقاط نفسها جزءًا من مشروع الكتاب.

ومن هنا تبدأ المفارقة: فنحن أمام كتاب يبحث في الأحاديث والآثار، وفي الوقت نفسه يبحث في كيفية إسقاطها على الواقع. وهذا بالضبط هو السؤال الذي سنظل نحمله معنا حتى آخر صفحة.

المشهد الأول: العراق الذي عرف الفتنة قبل أن يعرفها القرن العشرون

إذا عدنا إلى الكتاب، سنجد أن الحديث عن العراق لا يبدأ من صدام حسين، ولا من أمريكا، ولا من تنظيم الدولة، بل من تاريخ طويل من الفتن: الجمل، صفين، كربلاء، الخوارج، ثم موجات أخرى امتدت عبر التاريخ.

ويشير الكتاب إلى العراق باعتباره مركزًا مهمًا في تاريخ الفتن، مع مناقشة الروايات التي تتحدث عن خروج الفتن من جهة المشرق، وعن الأحداث التي وقعت في العراق قديمًا وحديثًا.

لكن الكاتب يضع أمام القارئ منذ البداية تحذيرًا مهمًا: هناك فرق بين رواية صحيحة وبين رواية ضعيفة أو موضوعة. بل يصرح بأن كتابه يضم روايات ضعيفة وأخرى مشهورة على الألسنة، وأنه يورد بعضها للتحذير منها أو للرد على من يستدل بها.

وهنا يجب أن نتوقف؛ لأن القارئ الذي يدخل هذا العالم لأول مرة قد يظن أن كل ما سيقرأه «نبوءة صحيحة». لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا، فهناك:

  • حديث صحيح.

  • حديث حسن.

  • حديث ضعيف.

  • أثر عن صحابي أو تابعي.

  • قول لمؤرخ.

  • تفسير معاصر.

والخلط بينها هو أول باب من أبواب الخطأ.

المشهد الثاني: من الفرات إلى الذهب

ومن أكثر الصور التي تظهر في هذا الباب صورة الفرات؛ نهر عظيم يمر بالعراق ويحمل في الذاكرة الإسلامية والجغرافية تاريخًا هائلًا. وفي روايات الفتن يظهر الحديث عن انحساره وكشفه عن كنز.

لكن هنا أيضًا تدخل القراءة المعاصرة. فبعض الناس حاولوا في أزمنة مختلفة تفسير «الكنز» تفسيرًا اقتصاديًا حديثًا، وربطه بالنفط والثروة العراقية.

غير أن مشهور آل سلمان يناقش هذه المطابقة صراحة، ويذكر أنه فصل في خطأ تفسير الكنز المذكور في الروايات بأنه البترول.

وهذه لحظة مهمة في رحلتنا؛ لأنها تكشف لنا شيئًا سنراه مرارًا:

يظهر نص قديم.. ثم يظهر حدث حديث.. ثم يأتي شخص فيقول: هذا هو المقصود!

لكن بين الجملتين مسافة هائلة اسمها: الدليل.

المشهد الثالث: ثم جاء عام 1998

في عام 1998 لم تكن بغداد قد سقطت، ولم يكن صدام حسين قد أُعدم، ولم تكن الموصل قد سقطت في يد تنظيم الدولة، ولم تكن سوريا قد دخلت حربها الطويلة، ولم يكن العالم يعرف «داعش» بالصورة التي عرفها بعد ذلك.

لكن المنطقة كانت مشحونة: العراق خرج من حرب الخليج، والحصار مستمر، والصراع حول القدس لم ينته، والأسئلة حول المستقبل كانت تتكاثر.

وفي هذه الأجواء صدر «البيان النبوي». عنوان الكتاب نفسه يحمل ثلاث أفكار كبرى:

  1. دمار إسرائيل.

  2. تحرير الأقصى.

  3. أمارات الساعة.

والكلمة التي تستوقفنا هنا هي: «الوشيك».

لأن «الوشيك» ليست مثل «سيحدث يومًا ما»، إنها كلمة تفتح باب الاختبار. إذا قلت: سيحدث شيء في آخر الزمان، فقد يستمر النقاش قرونًا. لكن إذا قلت: الحدث وشيك، فإن الزمن يبدأ في العد. ولهذا اخترنا 1998 نقطة انطلاق.

المشهد الرابع: لكن العراق لم ينتظر طويلًا

مرت السنوات، ثم جاء عام 2003. وفجأة انتقل العراق من صفحات الكتب إلى شاشات العالم: الدبابات تدخل، بغداد تحت القصف، النظام يسقط، والعالم يشاهد تمثالًا يسقط في ساحة الفردوس. وفي 9 أبريل/نيسان 2003 سقطت بغداد، ثم انتقلت السيادة إلى الحكومة العراقية المؤقتة في يونيو/حزيران 2004

كان حدثًا هائلًا. لكن السؤال الذي يهمنا هنا ليس: هل كان سقوط بغداد حدثًا عظيمًا؟ بالطبع كان.

السؤال: هل كان هذا هو الحدث الذي قصدته الروايات التي جرى تداولها قبل ذلك؟

وهنا تبدأ اللعبة الحقيقية؛ لأن التاريخ أعطانا حدثًا ضخمًا، والنصوص أعطتنا أوصافًا قديمة، فهل تكفي المطابقة؟

بغداد بعد السقوط

لم ينتهِ شيء بسقوط بغداد، بل ربما بدأ شيء آخر: انهارت مؤسسات، اشتعل العنف، تصاعد الصراع الطائفي، ظهرت جماعات مسلحة، ثم أصبحت الحدود بين العراق والشام أكثر هشاشة.

وبدأ السؤال يتغير؛ لم يعد: ماذا سيحدث للعراق؟ بل: إلى أين ستذهب الفتنة بعد العراق؟

وهنا تصبح عبارة صاحب «العراق في أحاديث وآثار الفتن» شديدة الأهمية؛ فهو يناقش فكرة أن الفتن التي تقع في العراق قد تتجاوز حدوده وتؤثر في مناطق أخرى، لكنه في الوقت نفسه يحذر من العجلة في إسقاط الروايات على أحداث بعينها.

وهكذا بدأت الخريطة تكبر.. العراق لم يعد وحده، ودخلت الشام إلى المشهد.

المشهد الخامس: عام 2006… موت الرجل الذي حملته التأويلات

ثم جاءت اللحظة التي لا يمكن للباحث أن يتجاوزها: صدام حسين يُعدم عام 2006.

وهنا يجب أن نكون شديدي الدقة. إذا كان بعض القراء قد حاولوا ربط صدام حسين بشخصيات وردت في أدبيات الفتن، فإن وفاة صدام أصبحت اختبارًا للتفسير؛ لأن الشخصية التاريخية انتهت.

لكن السؤال لم ينته، بل أصبح أصعب: إذا كان هذا هو الشخص المقصود، فماذا عن بقية الأحداث التي قيل إنها ستأتي بعده؟

وهنا يبدأ الزمن في ممارسة وظيفته الحقيقية: الاختبار.

فالزمن لا يجادل، ولا يرفع صوته، ولا يدخل في معركة مع أحد.. إنه فقط: يمضي.

ومن هنا تبدأ الرحلة الحقيقية

بعد العراق جاء طور آخر؛ 2011 سوريا تدخل مرحلة جديدة، الحدود تشتعل، الجماعات المسلحة تتكاثر، ثم يظهر تنظيم يتمدد بين العراق وسوريا.

ثم تأتي سنة 2014: الموصل تسقط.

وهنا يعود السؤال القديم، لكن بصورة أكثر إثارة:

هل وصلنا إلى الحلقة التي كانت الكتب تتحدث عنها؟ أم أن البشر، كلما رأوا حدثًا هائلًا، بحثوا له عن مكان في كتب الفتن؟

وهنا سنترك القارئ أمام المشهد قبل أن نحكم عليه.

ففي الفصول التالية لن نحكي التاريخ من فوقه، بل سندخل إليه: بغداد، صدام، سوريا، الموصل، تنظيم الدولة، الفرات، السفياني، الروم، الترك، القدس، إسرائيل، الأقصى..

ثم نعود في النهاية إلى السؤال الأصعب:

هل كانت الأحداث تمشي وفق النص… أم كنا نحن الذين نعيد ترتيب النص وفق الأحداث؟

 

Share This Article
Leave a review

"شاركنا برأيك.. يسعدنا سماع وجهة نظرك"

error: Content is protected !!