من كتاب: «الشرق الأوسط في مفترق القوة»
36 عامًا من الحروب والتحالفات وإعادة تشكيل النظام الإقليمي | 1990–2026
بقلم: د/ رمضان بلال
مصر – «غرد بالمصري»
إلى عام 1993.
إلى لحظة ظن فيها كثيرون أن الشرق الأوسط يقف على أعتاب مرحلة جديدة.
لم تكن المنطقة يومها تعيش سلامًا حقيقيًا، لكنها كانت تبحث عنه.
وكان السؤال الذي يطارد العواصم العربية والغربية:
هل يمكن تحويل عقود الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من حرب مفتوحة إلى تسوية سياسية؟
وفي 13 سبتمبر 1993 وُقّعت في واشنطن «إعلان المبادئ حول ترتيبات الحكم الذاتي الانتقالي»، المعروف ب اتفاق أوسلو، بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، برعاية أمريكية وشهادة أمريكية وروسية.
كانت اللحظة تاريخية بالفعل.
لكن التاريخ لا يحكم على الاتفاقات بلحظة توقيعها…
بل بما يحدث بعدها.
من مدريد إلى أوسلو
لم تولد أوسلو من فراغ.
ففي عام 1991 انعقد مؤتمر مدريد للسلام، وبدأت مفاوضات متعددة الأطراف وثنائية حول مستقبل الصراع العربي الإسرائيلي.
لكن المفاوضات الرسمية بين الإسرائيليين والفلسطينيين وصلت إلى طريق شديد التعقيد.
ثم ظهرت قناة سرية للمفاوضات بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، وانتهت إلى إعلان المبادئ عام 1993.
وهنا حدث تحول جوهري:
الطرفان اللذان كانا يتعاملان مع بعضهما باعتبارهما خصمين، أصبحا يجلسان إلى طاولة واحدة للتفاوض على المستقبل.
وفي 9 سبتمبر 1993 تبادل الطرفان رسائل الاعتراف المتبادل؛ اعترفت منظمة التحرير بحق إسرائيل في الوجود في سلام وأمن، بينما اعترفت الحكومة الإسرائيلية بمنظمة التحرير ممثلًا للشعب الفلسطيني.
كانت تلك لحظة يصعب تجاهل رمزيتها.
لكن خلف الصورة التاريخية كان هناك سؤال أكبر:
هل يستطيع اتفاق انتقالي أن يحل صراعًا عمره عقود؟
ماذا أرادت أوسلو؟
كانت الفكرة الأساسية تقوم على التدرج.
لم يحسم اتفاق أوسلو جميع قضايا الصراع، بل وضع إطارًا لمرحلة انتقالية مدتها خمس سنوات، تُنقل خلالها بعض الصلاحيات إلى سلطة فلسطينية، على أن تبدأ مفاوضات الوضع النهائي لاحقًا.
وكانت الملفات الأصعب مؤجلة:
القدس.
الحدود.
اللاجئون.
المستوطنات.
الترتيبات الأمنية.
وهنا تكمن إحدى أهم نقاط القوة والضعف في الاتفاق في الوقت نفسه.
لقد كان تأجيل القضايا الكبرى وسيلة لجعل الاتفاق ممكنًا.
لكنه جعل نجاح المرحلة الانتقالية شرطًا ضروريًا للوصول إلى التسوية النهائية.
بمعنى آخر:
كان المطلوب أن يبني الطرفان الثقة أولًا، ثم يحلا القضايا الأكثر صعوبة.
السلام… أم إدارة الصراع؟
هنا بدأ الخلاف الحقيقي.
فأنصار أوسلو رأوا فيها طريقًا تدريجيًا نحو حل سياسي.
أما منتقدوها فرأوا أن الاتفاق لم يحسم جوهر الصراع، وأنه أنشأ ترتيبات انتقالية معقدة دون ضمان الوصول إلى الدولة الفلسطينية أو التسوية النهائية.
وهذا هو الفارق بين:
اتفاق ينهي الصراع…
و
اتفاق ينظم الصراع مؤقتًا.
وكانت أوسلو أقرب إلى النوع الثاني.
فالوثيقة نفسها نصت على أن مفاوضات الوضع النهائي ستتناول قضايا القدس واللاجئين والمستوطنات والحدود والأمن وغيرها.
وهكذا بقيت القضايا الأكثر حساسية معلقة.
لماذا تعثر الطريق؟
لأن السلام لا يعيش على الورق وحده.
إنه يحتاج إلى بيئة سياسية وأمنية واجتماعية تسمح له بالنمو.
لكن هذه البيئة لم تكن مستقرة.
ظهرت المعارضة من داخل المجتمعين.
ووقعت أعمال عنف وهجمات.
وتصاعدت الشكوك.
وتغيرت الحكومات.
وتراجع منسوب الثقة.
ثم جاء اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين عام 1995، في لحظة كانت عملية السلام فيها بحاجة إلى قيادة سياسية قوية قادرة على الاستمرار.
وبعد ذلك تغيرت البيئة السياسية الإسرائيلية بصورة كبيرة.
وفي الجانب الفلسطيني أيضًا كانت هناك ضغوط وتحديات وصراعات داخلية.
وهكذا بدأت عملية السلام تفقد شيئًا فشيئًا الزخم الذي رافق بدايتها.
المشكلة الأكبر: الوقت
كان الزمن في أوسلو عنصرًا حاسمًا.
فالمرحلة الانتقالية كان يفترض أن تقود إلى مفاوضات الوضع النهائي.
لكن كل تأخير كان يعني أن المرحلة المؤقتة تتحول إلى واقع دائم.
وهنا ظهرت قاعدة خطيرة في الصراعات السياسية:
إذا طال الانتقال أكثر من اللازم، فقد يتحول الانتقال إلى نظام قائم بذاته.
وبدل أن يكون المؤقت طريقًا إلى النهائي، أصبح المؤقت هو الواقع.
أوسلو والشرق الأوسط
لم تكن أوسلو قضية فلسطينية إسرائيلية فقط.
فنجاحها كان يمكن أن يفتح الباب أمام تحول أوسع في المنطقة.
سلام فلسطيني إسرائيلي.
ثم مزيد من التسويات العربية الإسرائيلية.
ثم تعاون اقتصادي وأمني.
ثم إعادة ترتيب العلاقات الإقليمية.
وكانت الوثيقة نفسها تتحدث عن برامج إقليمية للتنمية والتعاون في مجالات الاقتصاد والمياه والطاقة والنقل والاتصالات وغيرها.
كان يمكن أن تصبح المنطقة أمام نموذج مختلف:
من الجغرافيا التي تصنع الصراع… إلى الجغرافيا التي تصنع المصالح المشتركة.
لكن هذا الطريق لم يكتمل.
من الأمل إلى الشك
مع مرور السنوات بدأ السؤال يتغير.
في البداية كان السؤال:
متى سيأتي السلام؟
ثم أصبح:
هل سيأتي السلام أصلًا؟
وهذه النقلة النفسية والسياسية كانت أخطر من أي خلاف تفاوضي.
لأن عملية السلام لا تحتاج فقط إلى اتفاقات.
إنها تحتاج إلى قناعة لدى الشعوب بأن المستقبل سيكون أفضل من الماضي.
وعندما تفقد الشعوب هذه القناعة، تصبح كل حادثة جديدة وقودًا للشك.
أوسلو والعقد الضائع
كان من المفترض أن تكون المرحلة الانتقالية قصيرة نسبيًا، وأن تقود إلى مفاوضات الوضع النهائي.
لكن القضايا الجوهرية بقيت بلا حل، بينما استمرت الأزمات السياسية والأمنية.
وتشير الوثائق الدولية إلى أن مفاوضات الوضع النهائي، التي كان مقررًا أن تبدأ خلال المرحلة الانتقالية وتُستكمل في نهاية مدتها، تعثرت لاحقًا ولم تصل إلى التسوية المنشودة.
وهنا بدأ الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة.
لم يعد الصراع الفلسطيني الإسرائيلي مجرد صراع يبحث عن تسوية.
بل أصبح جزءًا من صراعات إقليمية أكبر.
من أوسلو إلى انتفاضة جديدة
عندما تفشل التسويات السياسية في إغلاق أبواب الصراع، تعود السياسة إلى الشارع.
وعندما يتراجع الأمل، تتقدم القوى الأكثر تشددًا.
وهكذا بدأت المنطقة تتحرك تدريجيًا نحو مرحلة أكثر اضطرابًا.
ثم جاءت الانتفاضة الثانية.
ثم تراجعت عملية السلام أكثر.
ثم دخل الشرق الأوسط في أحداث كبرى ستقوده لاحقًا إلى الغزو الأمريكي للعراق، وصعود النفوذ الإيراني، والحرب في لبنان، ثم انفجارات 2011 وما بعدها.
وهنا تظهر المفارقة التاريخية:
بينما كان الشرق الأوسط يحاول بناء طريق للسلام في أوسلو، كانت قوى أخرى تعيد بناء طريق جديد للصراع.
مصر… والبحث عن السلام
كانت مصر من أكثر الدول العربية إدراكًا لأهمية التسوية السياسية للقضية الفلسطينية.
فاستقرار المشرق يرتبط باستقرار المنطقة كلها.
والقضية الفلسطينية ليست مجرد ملف حدودي، بل قضية ترتبط بالأمن العربي، والشرعية الدولية، والهوية السياسية للمنطقة، ومستقبل العلاقات بين شعوبها ودولها.
ولهذا ظل السلام العادل والشامل أحد المفاتيح الأساسية لأي استقرار حقيقي في الشرق الأوسط.
الدرس الاستراتيجي من أوسلو
أوسلو تعلمنا درسًا مختلفًا عن درس العراق.
في العراق تعلمنا أن:
إسقاط النظام لا يعني بناء الدولة.
أما في أوسلو فنتعلم أن:
توقيع الاتفاق لا يعني تحقيق السلام.
فالسلام يحتاج إلى:
إرادة سياسية.
وثقة متبادلة.
وضمانات.
وقدرة على تنفيذ التعهدات.
وحماية سياسية من قوى الرفض.
ورؤية واضحة للنهاية.
والأهم:
أن يعرف الطرفان إلى أين يقودهما الطريق.
فإذا كانت نقطة النهاية غامضة، فقد تتحول الرحلة نفسها إلى أزمة.
من أوسلو إلى مفترق القوة
وهنا تبدأ الصورة الكبرى في الظهور.
حرب الخليج أعادت تعريف أمن الخليج.
حصار العراق أضعف قوة عربية كبرى.
سقوط بغداد أعاد توزيع القوة في المشرق.
أوسلو حاولت إعادة تعريف الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
لكن تعثر عملية السلام أبقى القضية الفلسطينية مفتوحة.
ثم جاءت أحداث جديدة لتعيد تشكيل المنطقة.
العراق.
إيران.
لبنان.
سوريا.
اليمن.
الخليج.
وكل ملف من هذه الملفات لم يكن منفصلًا عن الآخر.
بل كانت الخيوط تتجمع تدريجيًا في شبكة واحدة.
شبكة اسمها:
صراع النفوذ في الشرق الأوسط.
ومن هنا نقترب من فصل بالغ الأهمية في رحلتنا:
كيف تحولت إيران من دولة خرجت من حرب مدمرة مع العراق إلى قوة إقليمية تمتلك شبكة نفوذ ممتدة عبر عدة عواصم؟
وهل كان سقوط بغداد نقطة الانطلاق الحقيقية لهذا التحول؟
أم أن جذور المشروع الإقليمي الإيراني كانت أعمق وأقدم من ذلك؟
في الحلقة القادمة سنفتح هذا الملف:
إيران… من الثورة إلى شبكة النفوذ
سنعود إلى عام 1979، ثم الحرب العراقية الإيرانية، ثم حرب الخليج، ثم سقوط بغداد، لنرسم الخط الذي يربط بين الأحداث وصولًا إلى المشهد الذي عرفته المنطقة بعد 2011.
ففي الشرق الأوسط، لا تبدأ القصة عندما يظهر الحدث… بل عندما تتراكم مقدماته.
