ربان التاريخ الأزلي | الفصل الأول: بوابة الأزل المفقود

By nagah hegazy
الدكتور زهير سنده

بقلم: د. زهير سنده – سوريا

في البداية، كانت ليلة صاخبة بالأفكار؛ حيث أحضر الربان قهوته وأرجيلته وجلس على أريكته ليدون في أجندته عن رواية «ربان التاريخ الأزلي». كان مخموراً في أكواب النبيذ العلمية عن أسرار الكون وعمر الأفلاك التي تمتد إلى ملايين السنين، وهو يعتصر ممرات الفكر الإعجازي البليغ. كان يراقب الذرات إلى المجرات إلى الأفلاك، ولكن شاهد في عيون عقله ما هو أكثر مما يتخيله أي مخلوق من مخلوقات الإله، والذي رأى لا يصدقه العقل البشري، وحتى الجن والملائكة قد لا تدركه. وفي تلك الليلة، وصل إلى نافذة أصغر من فتحة الإبرة ينبثق منها شعاع فوسفوري بألوان لم تشاهدها العين البشرية من قبل، عندها بدأ يشم رائحة التاريخ الأزلي الذي يربطه بأبي البشر.

وبعد انقشاع الفجر، دخل غرفته ليبتغي النوم بعد تلك الهزة الكونية، لكن عتبة الواقع انهارت تماماً؛ فقد وجد في زاوية غرفته امرأة تجلس على ركبتيها. كانت عجوزاً من العصر الحجري أو ما قبل ذلك بآلاف السنين، طواها الشيب والزمن، لكن طولها الشاهق كان يمتد لأكثر من مائة قدم. ورغم تجاعيد جسدها الأزلي، كان الزمان قد رسم خارطة العالم كله على جبينها العريض، وكان يقف على كتفها نسر ضخم عمره أكثر من خمسة آلاف عام. وهي ترتدي ثياباً بالية يفوق عمرها آلاف السنين، وتمسك بيدها عصا منحوتة من عاج الفيل الأزلي المنقرض، ورغم ملامح الهرم الطاغية عليها، كانت تنبعث منها هيبة جبارة توحي بأنها امرأة تستطيع بمفردها أن تحارب ألف فارس بيد واحدة.

كانت كائناً ملائكياً مكسوراً هرب للتو من جذور الأبدية؛ لقد ظن الربان بأن البحر بأمواجه الطاغية يطاردها ويزحف خلفها، كأنها نبشت بين البحار والأفلاك عن وسيلة للخلود الأبدي لتمتد إلى ملايين السنين. فتحت ثغرها ونطقت بثلاث كلمات فقط لم تكن تنتمي لأي لغة من لغات البشر المعروفة، بل كانت لغة أزلية محفورة في كيان التاريخ الحجري الأول أو ما قبل ذلك، جاءت لتترك رسالتها وتترك للربان وصيتها دون أقلام ولا كلام. وفي عينيها شروخ غائرة تحكي خرافات وقصصاً مرعبة، وفي أصابعها يمتد رنين خاتم مجهول وغامض غارق في القدم لا أدري في أي عصر من العصور صُنع. كان وجهها مليئاً بالتجاعيد الكونية التي اعتصرته وسحقته براكين الكواكب الأزلية، لم يكن هناك سر بل أسرار ما قبل العصور السحيقة.

وفجأة.. هبت عاصفة كونية هوجاء كادت تهلك معها جدران الغرفة، ومن بين تلك الجدران المرتعدة خرجت تلك المرأة العجوز متلاشية كأنها طيف من الأبدية. وفي ثوانٍ معدودة بعد خروجها، نظر الربان فوراً من نافذته مذهولاً، فوجد ثلجاً كثيفاً يتساقط بغزارة رغم أنه كان في قلب الصيف، وتحول الليل إلى نهار ساطع كشمس الظهيرة. في كبد ذلك النهار المفاجئ وجدها على متن باخرة ضخمة قديمة جداً يعود تاريخها إلى آلاف السنين، كانت تمخر عباب السماء وتحلق بين السحب كأنها عرش طائر، فأعطت للربان إشارة الوداع بيدها، وبلمح البصر أصبحت الباخرة في أعماق السماء وتلاشت في ثوانٍ معدودة لتتركه أمام هذا الصراع الوجودي بين الأفلاك والبحار والتاريخ الأزلي.

وهنا دخل ربان التاريخ الأزلي المطبخ وأحضر دلة القهوة وأرجيلته مع الجمر الماسي المتوهج من حرارة الأقلام الخرافية، جلس ينبش بذاكرته عن أبعد مسافة لتاريخ هذا العالم، ولكن وجد سحابة تاريخية تحجب عنه النزول إلى سراديب التاريخ الأزلية. وهنا جاءته سِنة من النوم ولم يعد يستطيع المقاومة، وكأنه مخدر سحري جعله يستسلم للنوم على أريكته. وفي الحلم جاءت تلك المرأة العجوز لتبلغه رسالة أزلية، وهنا عكست له مرآة التاريخ في حلم الربان فوجدها تعيش إلى ما قبل العصر الحجري بملايين السنين، هناك في أرض لا يدخلها بشر ولا تكتشفها المراصد الآلية الحديثة، ولكن الربان لا يدرك بأنها تضع سلسلة من الأحجار الفلكية في عنقها فلا يراها أحد.

ولكن ما هو خلف جدار هذا التاريخ الغامض؟ في ذلك الحلم ذكرت اسماً وقالت: “أيها الربان، لقد تركت في غرفتك قلادة.. لقد انتظرتك منذ ملايين السنين واحتفلت بعيد مولدك، وأصبحت أفلاك الانتظار تشع ضوءاً بنفسجياً ساحراً تعبيراً طقوسياً لهذه الأرض، وبعدها كانت رحلتك هناك عندما صعدت إلى الأفلاك سبعة آلاف سنة لتصنع العلم من قداسة أفكارك الجهورية والخفية. وأنا كنت أنتظرك هنا.. أجل كنت أراك وأنت مخمور بمخطوطاتك الفكرية والعلمية، كنت أقرأ كل ما تكتبه، فأنت الربان المنتظر ليس لعالم الأفلاك فحسب، بل لعالمي أنا المرأة التي خلقت ما قبل التاريخ الأزلي، ومن طهارة هذا الطين النقي ولدت البشرية من رحم هذا الطين الأزلي. أنا ملكة كوكب هذه الأرض التي حملت آدم وحواء وأحفادهم من رسل وأنبياء، والآن أيها الربان بعد ثلاثة أيام ضع القلادة في عنقك وعندها ستكون بجواري.. لقد نسيت شيئاً: لا تخبر أحداً عن هذا السر وعندها ستعلم من أنا”.

وهنا استيقظ ربان التاريخ الأزلي ونفض غبار الحلم من فوق جبينه المشع بنور العلم والمعرفة والإيمان، نظر إلى أرجيلته والجمر الماسي وجده ما زال مشتعلاً وبخار القهوة يتصاعد، فسأل نفسه: هل توقف الزمن من أجل هذا الحلم أم من أجل قداسة هذه الرسالة وقف الزمن؟ ربااااااه.. جلس على أريكته وهو يتخيل وجه تلك المرأة ويقول: إنها ليست ساحرة، بل إنها ربانة هذا الكوكب الأزلي الخالد. وهنا أخذ نفساً عميقاً من أرجيلته ورشف ثلاث رشفات من قهوته الساخنة المصنوعة من البن اليمني وحب الهال وجوز الطيب، عندها شعر بارتياح لأنه يضع خلطة القهوة بنفسه.

وهنا حدث إعجاز لم يره من قبل؛ لقد رأى تلك المرأة تبتسم من فنجان قهوته.. ربااااااه.. وهنا أيقن بأنه لم يصب بالجنون، ولكن قرأ بعض الآيات من القرآن الكريم حتى تتوضأ روحه بطهارة اليقين قبل رحلته لتلك المرأة. جلس ربان التاريخ الأزلي مع نفسه يتفقد كتبه ومؤلفاته ويجمع دواوينه السبعة وأبحاثه العلمية والأدبية ورواياته العشر مع مسلسلاته التاريخية والدرامية ومسرحياته وأفلامه في خزائن أفكاره، كما وضعها بين أفلاك السماء التي وثقها بالحماية الفكرية الأزلية بدار زوجته الفلكية كوكب الثريا.

وهنا نفض غبار الخيال عن جبينه يستعد لرحلته من فوق أبراج قلعة حلب الشهباء منارة العلم والتاريخ. دخل الربان إلى مطبخه لطهي بعض شرائح الدجاج المقلي وهو يفكر: هل تلك المرأة التي سيرافقها هي الأم الروحية للتاريخ، أم أنها المدرسة التي ستزوده عن الأزلية؟ أخذ شهقات أنفاسه ببطء شديد فوقعت نقطة من زيت الزيتون المغلي على يده جعلته يفكر في الواقع لتحضير طعامه، وإذ بالقلادة تهتز في جيبه، نظر إليها فعلم أنه جرس الإنذار لرحلته التي ستبدأ من فوق برج قلعة حلب الشهباء بعد ساعات من زمن الأرض.

وهنا أحضر بعض الأقلام الجافة وأقلام الرصاص في حقيبة أهداابه، وأجندات من ألواح ليزرية استحوذ عليها من كوكب الزهرة صاحب الجمال والمساحيق الكونية. وقبل الرحيل توضأ من زمزم القلادة التي يحملها متجهاً إلى قلعة حلب حيث هناك تكون محطة السفر الأزلية. خرج من داره متجهاً للقلعة، وإذ بأمطار غزيرة وسيول جارفة وهو في شهر آب وسط الصيف، فرفع رأسه إلى السماء فعلم أنها دموع الثريا، فخاطبته بصوت البكاء كان عبارة عن رعد وبرق يكاد يهدم أسوار المدينة، فسمع صوتها الخافت وهي تقول: “لقد أورثتني من عالم الطين لغة الغيرة، وأنت الآن متجه إليها، ولكن إن تزوجت تلك المرأة سأعلن الانتحار فوق أهل الطين ليعود الكون بظلام كما بدأ”.

وهنا ابتسم الربان بنظراته الشجية وقال: “من يتزوج الثريا تسقط من نظره نساء العالم التي خلقت من طين”، فابتسمت الثريا وقالت: “سأزورك في كل ليلة بعد صلاة العشاء حتى أرسل إليك أرجيلتك الماسية مع السُّهى والفرقد.. وداعاً الآن يا محبوبي”. وما إن وطأت قدمه برج القلعة أخرج القلادة ووضعها في عنقه، وما هي إلا برفة عين جاءه صوت هدير بوصول الباخرة القديمة الطائرة، لكن دون أن يراها أحد من المخلوقات والأفلاك ولا يسمع صوتها بآذان أحد.. وهنا بدأت رحلته الأزلية.

Share This Article
Leave a review

"شاركنا برأيك.. يسعدنا سماع وجهة نظرك"

error: Content is protected !!