تاج العالمين محمد حين يُنسى التاج وتُقلّد الزينة

By nagah hegazy

أ .د أحمد عبد الخالق سلامة

(مؤسس المشروع العربي لأدب الرياضيات (الرياضيات الأدبية) – أستاذ الرياضيات وعلوم الحاسب بكلية العلوم – جامعة بورسعيد)

في زمنٍ تُعلق فيه الألقاب على الجدران لتألفها العيون، وتُنسى في ثنايا السلوك حين يشتد اختبار الضمير؛ وفي عصرٍ تبارى فيه الناس في تزيين الأسماء وتفريغ الجواهر من معانيها العميقة، نقف بخشوعٍ أمام سيرة سيدنا محمد لا لنحتفل به كضيفِ موسمٍ عابر، بل لنستحضره كضميرٍ حيٍّ نفقده في زحمة الغفلة.

سيدنا محمدٌ ﷺ ليس مجرد قصيدةٍ رنانة تُتلى في محافل التكريم والمديح، ولا شعاراً براقاً يُطبع على واجهات الكتيبات والمنابر، بل هو المعيار الحقيقي الذي يُحرج أخطاءنا، ومرآة الجلال التي تكشف عوراتنا الأخلاقية وحقيقة زهدنا في فضائله.

هو التاج الذي لا يُلبس تفاخراً في ليالي الموالد، بل يُتّبع دليلاً في عتمة السوق، وفي ميزان الحكم، وفي دفء البيت، وفي صاخب الشارع. تاجٌ لا تُرصّع حجارته بالألماس والياقوت، بل يُصاغ من خالص الرحمة، ولا يُستقر به فوق الرأس، بل يُغرّس جذوره في عمق القلب.

ولكننا للأسف -نحن أبناء القشور والزينة- أبدعنا في فنون المظهر؛ نُجيد تلميع القباب الخرسانية، ونُتقن تعليق الأهلة في الشوارع، ونتبارى في صناعة بهجة الاحتفال، ثم نرتكب الخطيئة الكبرى: ننسى التاج الحقيقي المتمثل في العدل المطلق، والصدق الناجز، والأمانة الحقة، والرحمة الواسعة، والحياء النبيل.

نُردد بلا مبالاة لقبه العظيم تاج العالمين، ثم نترك عوالمنا تئن تحت سياط الظلم! نردد اسمه العطر في خطب الجمعة والمؤتمرات، ثم نُخرس أضواء الضمير حين تحين ساعة الموقف والشهادة.

محمدٌ العظيم… الذي مشى حافياً على رمل الصحراء بلا حراسة ولا أبهة، وترك لنا ميراث الضمير لا زينة الرئاسة، هو الذي بَكَى شوقاً وخوفاً لأجلنا، ونحن نكتفي بالضحك والابتهاج في ذكراه! هو الذي حمل همَّ نجاتنا، ونحن نأمن مكر الأيام بغير وعي. هو الذي علّمنا يقيناً أن التاج الحقيقي ليس حلياً يُتزين به، بل هو أمانة ومسؤولية تُثقل الأرواح الصادقة.

فيا من تُزيّنون القباب والمآذن، ويا من تقيمون الحفلات وتفرشون الطرقات:

هل زيّنتم القلوب بخشية الله؟

هل أضأتم عتمة الضمير بأخلاقه؟

هل وقف أحدكم مع نفسه وقفة صدق ليسألها:

هل نحن حقاً أهلٌ لهذا التاج الرفيع؟

أم أننا لا نُحسن سوى تلميع صورته، بينما ننسى تماماً ثقله ووزنه الحقيقي في ميزان العمل؟

تزيّنوا ما شئتم… فالمولدُ قادمْ

علّقوا الهلالَ، وامسحوا الضميرَ النادمْ

اطبعوا التهاني، وانسخوا سطور السلامْ

فمحمدٌ صار في ميزاننا موسمًا يُحتفلُ بهِ في الإعلامْ

تاجُ العالمين؟

نعم، لكنّهُ للأسفِ على الرفِّ مُعلّقْ

تاجٌ من نورٍ لا يُثقِلُ الرأسْ

ولا يُربكُ القلبَ الجاهلْ

تاجٌ يُلمّعُ في زوايا الصورْ

ولا يُلبسُ في وعورة السلوكْ

محمدٌ الذي مشى على الرمضاءِ بلا حراسةْ

وتركَ لنا ميراثَ الرحمةِ لا الكراسي والرئاسةْ

هو الذي قال يومًا: بلّغوا عنّي… ولم يقل قط زيّنوا وقصّروا

وقال: كونوا شهداء بالقسط… لا صفّقوا وابتسموا للصيحات

أين سيرته العطرة في مناهج تفكيرنا؟

في نشراتنا اليومية؟ في قراراتنا المصيرية؟

هل وُلد في أرواحنا حقاً؟

أم أننا بارعون في طقوس دفنهِ في صخب العباراتْ؟

نُضيءُ القبابْ

ونُطفئُ نبضَ القلوبْ

نُعلّقُ الهلالْ

وننسى واجِبَ الفِعلْ

نُردّدُ اسمهُ الشريفَ في الخطبْ

ونُخرسُ نورهُ في ساعات الحسمْ

محمدٌ… لا يُختصرُ في ليلةِ مولدٍ وزينةٍ مصطنعةْ

ولا يُحتفلُ بهِ في قاعاتٍ مكيفةٍ حزينةِ المعنىْ

هو وجعٌ تربويٌّ يقظٌ

هو نورٌ لا يُطفأُ بهرجُ الاحتفالْ

ولا يُشترى بزينةِ الزيفِ والمحالْ

فيا من تُهنّئون وتُزيّنون المظاهرْ

أعيدوا السؤالَ على قلوبكم بلا مَواربَه:

هل نحن أهلٌ لهذا التاج العظيم؟

أم أننا بارعون في تلميعهِ ونسيانِ وزنهِ الثقيلْ؟

فإن محمدًا لا يُكتب بالحبر على الورقْ

بل يُتّبع خطاه في دقةِ العزمِ والأفقْ

ولا يُحتفلُ بذكراه قشورًا ودمىً

بل هو الميزانُ الذي بحضورهِ نحتكمْ!

 

Share This Article
Leave a review

"شاركنا برأيك.. يسعدنا سماع وجهة نظرك"

error: Content is protected !!