قصيدة عمودية في مجد العربية ورسالة الشاعر
بقلم: د/ رمضان بلال
أَنَا ابْنُ ضَادٍ، وَفِي أَعْرَاقِيَ انْسَكَبَتْ
أَسْرَارُهَا، فَتَجَلَّى فِيَّ إِلْهَامُ
وَفِي حُرُوفِيَ تَارِيخٌ أُرَتِّلُهُ
كَأَنَّ كُلَّ حَرْفٍ فِيهِ أَعْلَامُ
هَذِي لُغَاتِيَ، لَا زَيْفٌ يُشَوِّهُهَا
وَلَا تَغَيَّبَ عَنْ أَحْرُفِهَا الضَّادُ
إِذَا تَكَلَّمَتِ الأَلْفَاظُ أَصْغَى لَهَا
قَلْبُ الزَّمَانِ، وَخَرَّتْ دُونَهَا الهَامُ
فِي كُلِّ لَفْظٍ لَهَا بَحْرٌ وَمَعْجِزَةٌ
وَفِي مَعَانِيهَا لِلرُّوحِ إِكْرَامُ
لَا أَسْتَعِيرُ بَرِيقًا مِنْ حُرُوفِ سِوَى
فَالنَّبْعُ نَبْعِي، وَهَذَا الحَرْفُ مِقْدَامُ
أَسْقِي القَصِيدَ مِنَ التَّارِيخِ أَنْفُسَهُ
فَيَنْهَضُ الحَرْفُ، وَالأَجْدَادُ أَقْوَامُ
وَالمُتَنَبِّي لَمْ يَكُنْ شَاعِرًا فَقَطْ
كَانَتْ لَهُ فِي ذُرَى الأَيَّامِ أَقْلَامُ
وَأَبُو تَمَّامٍ لَمَّا صَاغَ مَعْجِزَةً
أَصْغَى لَهُ السَّيْفُ، وَالأَفْكَارُ وَالأَحْلَامُ
وَالخَيْلُ وَاللَّيْلُ وَالصَّحْرَاءُ تَشْهَدُ لِي
أَنَّ القَصِيدَةَ فِي تَارِيخِنَا قَامَتْ
مَا الشِّعْرُ زَخْرَفَةٌ تُرْضِي مُتَابِعَهَا
لَكِنَّهُ الحَقُّ، وَالإِنْسَانُ، وَالإِلْهَامُ
الشِّعْرُ أَنْ تَجْعَلَ المَعْنَى لَهُ وَطَنًا
وَأَنْ تُحَوِّلَ جُرْحَ القَلْبِ أَنْغَامُ
الشِّعْرُ أَنْ تَحْمِلَ الأَوْطَانَ فِي لُغَةٍ
إِذْ يَخْذُلُ السَّيْفَ أَحْيَانًا لَهُ قَلَمُ
وَأَنْ تُقَاوِمَ بِالأَفْكَارِ مُعْتَصِمًا
فَالفِكْرُ أَقْوَى، وَإِنْ هَبَّتْ لَهُ الأَزْمَانُ
يَا شَاعِرَ العَرَبِ، لا تَجْعَلْ قَصِيدَتَكَ
مَرْآةَ نَفْسٍ، فَفِي الأَوْطَانِ آلامُ
اجْعَلْ حُرُوفَكَ نَبْضًا فِي ضَمَائِرِنَا
فَالحَرْفُ إِنْ صَدَقَتْ نَجْوَاهُ أَقْوَامُ
وَازْرَعْ مِنَ الشِّعْرِ فِي أَطْفَالِنَا لُغَةً
تَبْقَى، فَإِنَّ بَقَاءَ الحَرْفِ إِعْظَامُ
وَاحْمِلْ تُرَاثَكَ لَا تَسْكُنْ مَتَاحِفَهُ
فَالتُّرْثُ حَيٌّ إِذَا مَا عَاشَ إِقْدَامُ
وَإِنْ تَغَيَّرَ وَجْهُ العَصْرِ فِي عَجَلٍ
فَالأَصْلُ أَصْلٌ، وَفِي الأَغْصَانِ أَحْكَامُ
هَذِي مِصْرُ، وَفِي أَحْجَارِهَا لُغَةٌ
مِنْهَا تَعَلَّمَتِ الأَيَّامُ مَا دَامُوا
النِّيلُ يَكْتُبُ فَوْقَ المَاءِ قِصَّتَهُ
وَالنِّيلُ فِي صَدْرِهَا تَارِيخُ أَقْوَامُ
مِنْهَا بَدَا فَجْرُ مَنْ أَعْطَى الحَيَاةَ لَهَا
فَكَانَ فِي كُلِّ أَرْضٍ بَعْدَهُ عَامُ
مِصْرُ الَّتِي لَمْ تَزَلْ فِي كُلِّ مُنْعَطَفٍ
تَقُولُ لِلتَّارِيخِ: إِنَّ العَزْمَ لَا يُضَامُ
وَأَنَا أُرَتِّلُ اسْمَ مِصْرَ فِي شِعْرِي
حُبًّا، وَأَحْمِلُهَا فِي القَلْبِ إِكْرَامُ
لَا أَدَّعِي أَنَّنِي قَدْ بِتُّ فِي ذُرَرٍ
لَكِنْ أُحَاوِلُ، وَفِي التَّجْوِيدِ إِقْدَامُ
فَإِنْ أَصَابَ قَصِيدِي بَعْضَ غَايَتِهِ
فَذَاكَ فَضْلُ ضِيَاءِ الحَرْفِ وَالإِلْهَامُ
وَإِنْ سَأَلْتُمْ: مَنِ الشَّاعِرُ؟ فَقُلْ لَهُمْ
هَذَا ابْنُ ضَادٍ، لَهُ فِي الضَّادِ أَحْلَامُ
جَاءَ القَصِيدَ وَفِي أَعْمَاقِهِ وَطَنٌ
وَفِي يَدَيْهِ مِنَ التَّارِيخِ أَقْلَامُ
مِنْ سُلَّمِ الحَرْفِ صَعَّدْتُ القَصِيدَ إِلَى
أُفْقٍ، لَهُ فِي سَمَاءِ المَجْدِ أَعْلَامُ
فَإِنْ بَقِيَتْ مِنْ حُرُوفِي بَعْدَ رَاحِلَةٍ
فَلْيَبْقَ مِنْهَا لِوَجْهِ الضَّادِ ابْتِسَامُ
