الخَنْسَاءُ… حِينَ يَصِيرُ الحُزْنُ خُلُودًا

By nagah hegazy

قصيدة على بحر الكامل

بقلم: د/ رمضان بلال_ مصر

يَا خَنْسَاءُ، يَا نَبْضَ الوَفَاءِ وَصَوْتَهُ

يَا دَمْعَةً صَانَتْ لَنَا الأَمْجَادَا

مَا كَانَ صَخْرٌ فِي الحَيَاةِ مُجَرَّدًا

بَلْ كَانَ فِي عَيْنِ الكَرِيمَةِ سِنْدَادَا

كَانَ النَّدَى فِي كَفِّهِ مُتَدَفِّقًا

وَالحِلْمُ فِي أَخْلَاقِهِ قَدْ زَادَا

وَإِذَا المَكَارِمُ أَقْبَلَتْ فِي مَجْلِسٍ

رَأَتِ المَكَانَ بِظِلِّهِ أَعْمَادَا

فَلَمَّا أَتَى نَعْيُ الصَّخِيِّ تَكَسَّرَتْ

فِي الصَّدْرِ أَضْلُعُهُ وَصَارَ رَمَادَا

وَجَرَتْ دُمُوعُكِ فِي المَآقِي حُرَّةً

فَغَدَتْ مِنَ الأَحْزَانِ نَهْرًا مُدَّادَا

لَمْ تَبْكِهِ وَحْدَكِ، بَلْ أَبْقَيْتِهِ

بَيْنَ القُلُوبِ وَفِي الزَّمَانِ مُعَادَا

أَنْتِ الَّتِي جَعَلَتْ رِثَاءَكِ رِفْعَةً

وَجَعَلْتِ مِنْ وَجَعِ الفُؤَادِ عِمَادَا

فَالشِّعْرُ عِنْدَكِ لَيْسَ زَخْرَفَ لَفْظِهِ

بَلْ صَرْخَةٌ تَسْتَنْقِذُ الأَحْفَادَا

وَإِذَا ذَكَرْتِ صَخْرَ أَشْرَقَ فِي الدُّجَى

وَغَدَا لِذِكْرَاهُ الضِّيَاءُ سَنَادَا

مَا المَوْتُ يَقْدِرُ أَنْ يُغَيِّبَ صُورَةً

سَكَنَتْ فُؤَادَ المُحِبِّ حُبًّا زَادَا

فَاذْكُرْهُ يَا دَهْرُ، فَإِنَّ قَصِيدَةً

صَاغَتْهَا الخَنْسَاءُ لَنْ تَبْلَى سُدًى

وَتَحَوَّلَتْ أَحْزَانُهَا فِي لَحْظَةٍ

مِنْ وَجْعِ أُمٍّ فِي الزَّمَانِ نَشِيدَا

ثُمَّ ابْتَلَاهَا الدَّهْرُ فِي أَبْنَائِهَا

فَمَضَوْا إِلَى دَرْبِ الشَّهَادَةِ زُهَّادَا

أَرْبَعَةٌ مَضَوْا، وَقَلْبُ أُمِّهِمْ

بَاقٍ يُقَاوِمُ لَوْعَةً وَسُهَادَا

مَا أَسْهَلَ الدَّمْعَ الغَزِيرَ، وَإِنَّمَا

عَظُمَ الثَّبَاتُ إِذَا أَتَى مُتَزَاحِمَا

فَإِذَا الإِيمَانُ اسْتَقَرَّ بِمُهْجَةٍ

جَعَلَ المَصَائِبَ فِي الفُؤَادِ جِهَادَا

يَا خَنْسَاءُ، مَا كَانَ الرِّثَاءُ قَصِيدَةً

إِلَّا لِكَيْ يَبْقَى الوَفَاءُ مُرَادَا

أَنْتِ الَّتِي عَلَّمْتِنَا أَنَّ الفَقْدَ إِنْ

سَكَنَ القُلُوبَ أَنَارَ فِيهَا رَشَادَا

وَأَنَّ مَنْ يَحْيَا لِذِكْرَى مَنْ مَضَوْا

يَجْعَلْ مِنَ التَّذْكَارِ فَجْرًا وَقَّادَا

مَاتَ الأَحِبَّةُ، وَالقَصَائِدُ لَمْ تَمُتْ

فَغَدَتْ تُرَدِّدُ فِي الزَّمَانِ صَدَاهَا

وَبَقِيْتِ يَا خَنْسَاءُ فِي تَارِيخِنَا

صَوْتًا يُجَاوِزُ فِي الخُلُودِ مَدَاهَا

مَنْ قَالَ إِنَّ المَرْءَ يَفْنَى كُلُّهُ؟

مَا دَامَ يَتْرُكُ فِي القُلُوبِ سَنَاهَا

فَالمَرْءُ يَفْنَى، وَالقَصِيدَةُ شَاهِدٌ

أَنَّ المَحَبَّةَ لَا تَمُوتُ إِذَا بَقِيَتْ ذِكْرَاهَا

وَالخَنْسَاءُ لَيْسَتْ قِصَّةَ امْرَأَةٍ بَكَتْ

بَلْ قِصَّةُ الإِنْسَانِ حِينَ تَسَامَى

جَعَلَتْ مِنَ الأَوْجَاعِ صَوْتًا خَالِدًا

فَغَدَا أَسًى مَحْفُوظُهُ لَا يُنْسَى

Share This Article
Leave a review

"شاركنا برأيك.. يسعدنا سماع وجهة نظرك"

error: Content is protected !!