بقلم أ.د. أحمد سلامة_مصر
مؤسس مشروع أدبيات الرياضيات
في عالمٍ يزدحم بالوجوه والأصوات، يظل المعروف الحقيقي هو ذلك الذي لا يراه أحد، ولا يسمع عنه أحد، سوى صاحبه وربه. فالمعروف إذا خرج إلى العلن، صار عُملةً يتداولها الناس بين مدحٍ ورياء، بينما إذا بقي في الظل، ظلّ نقيًّا، خالصًا، لا يبتغي سوى وجه الحق.
اجعل معروفك سرًّا
المعروف حين يُعلن يفقد جزءًا من جوهره، لأن العطاء في جوهره ليس استعراضًا، بل هو فعلٌ يزهر في الخفاء. إن اليد التي تُعطي في الظلام، تُشبه شجرةً تُثمر في الليل، لا يراها أحد، لكن ثمرها يُغني الجائعين في الصباح. هكذا يكون المعروف سرًّا، يكتسب قوته من كونه غير مرئي، غير معلن.
ولا تجعل سرك معروفًا
السرّ هو أمانة الروح، فإذا خرج من دائرة الكتمان، صار عبئًا على صاحبه، وسلاحًا في يد الآخرين. إن السرّ حين يُكشف، يفقد قيمته، ويصبح مثل ماءٍ مسكوب لا يمكن جمعُه. لذلك، فإن الحكمة تقتضي أن يُحفظ السرّ في أعماق القلب، حيث لا تصل إليه يدٌ ولا عين.
المعادلة الأخلاقية
المعادلة هنا دقيقة: المعروف يزدهر في الظل، والسرّ يذبل في العلن. من يعلن معروفه يُشبه من يزرع شجرةً في ساحةٍ مكتظة، يراها الجميع لكن جذورها ضعيفة. ومن يُفشي سره يُشبه من يفتح أبواب بيته للغرباء، فلا يبقى له مأمن.
في الرياضيات الأدبية، يمكننا أن نصوغ هذه الحكمة في معادلة رمزية:
المعادلة هنا ليست حسابًا، بل رمزًا: المعروف الحقيقي يساوي السرّ، أي أنه لا يُعلن ولا يُفصح عنه، بينما السرّ لا يساوي المعروف، لأنه إذا عُرف فقد جوهره.
اجعل معروفك سرًّا، ليبقى نقيًّا، ولا تجعل سرك معروفًا، ليبقى آمنًا. ففي هذا التوازن يكمن سرّ الأخلاق، وفضيلة الحكمة، وعمق الإنسانية.
