رحلة علم… ورسالة أثر

By nagah hegazy

بقلم الدكتورة سماح إبراهيم

مع إعلان نتائج الثانوية العامة كل عام، تتجه أنظار الطلاب وأسرهم إلى المجموع، وإلى أسماء الكليات والمعاهد، وكأن المستقبل يمكن اختصاره في رقم، أو شهادة، أو اسم مؤسسة تعليمية. غير أن رحلتي مع العلم علمتني أن الطريق لا تحدده نقطة البداية، وإنما تصنعه إرادة الإنسان، وشغفه بالتعلم، وقدرته على تحويل المعرفة إلى أثر حقيقي في حياة الآخرين.

المحطة الأولى: البداية… عندما كان العلم وسيلة لا غاية

كانت أولى محطاتي الدراسية في معهد الخدمة الاجتماعية، ولم يكن اختياري لهذا الطريق بحثًا عن وظيفة أو سعيًا وراء مسمى أكاديمي، وإنما كان انحيازًا لفكرة آمنت بها منذ البداية، وهي أن خدمة الإنسان من أسمى الغايات التي يمكن أن يمنح العلم نفسه من أجلها.
 
كنت أرى أن ال علم الحقيقي ليس مجرد مقررات تُدرس، أو امتحانات تُجتاز، أو شهادة تُعلق على الجدران، وإنما معرفة تساعد على فهم الإنسان، والاقتراب من مشكلاته، والمشاركة في بناء مجتمع أكثر وعيًا وتماسكًا. لذلك كنت حريصة على أن أتعامل مع الدراسة باعتبارها بداية لتكوين شخصية قادرة على التعلم والعطاء، وليس مجرد مرحلة تنتهي بمجرد الحصول على الشهادة.
 
لم أتوقف كثيرًا أمام اسم المؤسسة التي بدأت منها، بقدر ما انشغلت بما يمكن أن أتعلمه، وكيف يمكن أن أوظف ما أتعلمه في خدمة من حولي. فالمؤسسة التعليمية قد تمنح الإنسان نقطة انطلاق، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع مستقبله؛ لأن المستقبل تصنعه الإرادة، ويقويه الاجتهاد، وتمنحه الاستمرارية قيمته الحقيقية.
 
وفي تلك المرحلة لم أكن أعرف على وجه الدقة إلى أين ستقودني خطواتي، لكنني كنت أؤمن بأن طلب العلم رحلة مفتوحة لا تنتهي بالحصول على شهادة، وأن كل معرفة جديدة يمكن أن تكون مفتاحًا لباب آخر، وكل تجربة تحمل درسًا، وكل محطة تترك في الإنسان خبرة تدفعه إلى مواصلة الطريق.
 
ومع مرور السنوات أدركت أن البدايات المتواضعة قد تقود إلى مسارات كبيرة، وأن الإنسان لا ينبغي أن يشعر بأن مستقبله قد حُسم لمجرد أنه بدأ من مكان لا يراه الآخرون كبيرًا. فالقيمة ليست في نقطة الانطلاق، وإنما في المسافة التي يقطعها الإنسان بعدها، وفي قدرته على التطور، وإعادة اكتشاف ذاته، وتحويل ما يتعلمه إلى قيمة مضافة للمجتمع.
 
ومن هنا أقول لكل طالب يبدأ اليوم رحلته: لا تجعل مجموعك يحكم على أحلامك، ولا تجعل اسم الكلية وحده معيارًا لقيمتك. اختر ما يتناسب مع قدراتك وميولك، ثم اجتهد في أن تصبح الأفضل فيما اخترته، لأن النجاح الحقيقي لا يأتي من اسم المكان فقط، وإنما من الإنسان الذي يقرر أن يصنع من فرصته مستقبلًا.
 

خلاصة المحطة الأولى

 
تعلمت أن البدايات لا تحدد النهايات، وأن قيمة الإنسان لا يصنعها اسم المؤسسة التي درس فيها، بقدر ما يصنعها صدق السعي، واستمرار التعلم، والقدرة على مواجهة التحديات، وحسن توظيف المعرفة في خدمة الناس.
 
ومن هنا بدأت المحطة الثانية في رحلتي؛ حين لم يعد العلم بالنسبة لي مجرد دراسة، وإنما أصبح منهجًا للحياة، وطريقة في التفكير، ومسؤولية تجاه المجتمع.
 
فكل مرحلة علمية كانت تفتح أمامي سؤالًا جديدًا، وكل إجابة كانت تقودني إلى مساحة أوسع من المعرفة، حتى أدركت أن أجمل ما في رحلة العلم أنها لا تمنحنا فقط ما نبحث عنه، وإنما تجعلنا نكتشف أشياء جديدة في أنفسنا وفي العالم من حولنا.
 
وهكذا بدأت رحلتي من محطة بسيطة، لكن طموحي لم يكن بسيطًا، وكانت رسالتي منذ البداية أن يكون للعلم أثر، وللمعرفة معنى، وللرحلة كلها قيمة تتجاوز حدود الشهادة إلى الإنسان والمجتمع والحياة.
Share This Article
Leave a review

"شاركنا برأيك.. يسعدنا سماع وجهة نظرك"

error: Content is protected !!