من هرمز إلى باب المندب… ومن غزة إلى واشنطن، حين يتحول الدفاع عن النفوذ إلى استنزافٍ للنفوذ
بقلم: د/ رمضان بلال
حين تبدأ الحرب في الخليج وتنتهي عند صندوق الاقتراع
في هذه اللحظة التي يبدو فيها العالم واقفًا فوق برميل من النفط، لم يعد ما يحدث في الخليج مجرد أزمة بعيدة عن المواطن الأمريكي.
إيران تصعّد، والملاحة ترتبك، وأسوق الطاقة تراقب كل سفينة وكل تهديد. وفي الجنوب، يبقى باب المندب جبهة أخرى مفتوحة، بينما تظل غزة جرحًا سياسيًا وأخلاقيًا في قلب الشرق الأوسط.
وفي واشنطن، يجد ترامب نفسه أمام معادلة شديدة القسوة:
كيف تحافظ أمريكا على نفوذها في الخارج، دون أن يدفع المواطن الأمريكي ثمن هذا النفوذ في الداخل؟
فالحرب الحديثة لا تبدأ وتنتهي بالصواريخ. قد يبدأ الصاروخ في الخليج، ثم يظهر أثره في سعر النفط، ثم الوقود، ثم النقل والأسعار، ثم يصل أخيرًا إلى صندوق الاقتراع.
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي: هل ما تفعله أمريكا لحماية قوتها… يمكن أن يتحول إلى ما يستنزف هذه القوة؟
هرمز وباب المندب… عندما تتحول الجغرافيا إلى سلاح
مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي، بل أحد مفاتيح الاقتصاد العالمي. وإذا اضطربت حركة الناقلات، ينتقل القلق من الخليج إلى الأسواق، ومن الأسواق إلى محطات الوقود، ومن المحطات إلى جيوب المواطنين.
والأخطر أن إيران لا تحتاج بالضرورة إلى إغلاق المضيق بالكامل؛ يكفي أن تجعل الملاحة أكثر خطورة، والتأمين أكثر تكلفة، والأسواق أكثر خوفًا. ففي عالم الاقتصاد، الخوف نفسه سلعة باهظة الثمن.
ثم يأتي باب المندب ليضيف عقدة أخرى إلى المشهد. هرمز في الخليج، وباب المندب في البحر الأحمر، وغزة في قلب العاصفة، وإيران في مركز الحسابات. والولايات المتحدة تحاول الإمساك بكل هذه الخيوط في وقت واحد.
لكن مشكلة الإمبراطوريات ليست دائمًا في قلة القوة… بل في كثرة ما يجب عليها حمايته. كل جبهة تحتاج إلى سفن وطائرات وأموال وتحالفات، والأهم من ذلك كله: تحتاج إلى صبر الشعوب. وهنا تبدأ السياسة الخارجية في الاصطدام بالسياسة الداخلية.
ترامب… بين قوة السلاح وفاتورة الداخل
قد يستطيع الرئيس الأمريكي اتخاذ قرار عسكري خلال ساعات، لكنه لا يستطيع أن يأمر الناخب بأن يحب نتائج هذا القرار. فالناخب لا يعيش داخل غرفة العمليات، بل في السوق ومحطة الوقود والمصنع والمنزل.
ولهذا فالسؤال ليس: هل تستطيع أمريكا أن تضرب؟ (بالطبع تستطيع).
السؤال الأصعب: ماذا سيحدث بعد الضربة؟
إذا طال الصراع وارتفعت أسعار الطاقة وتزايد التضخم، فقد تصبح إيران خصمًا عسكريًا، لكن الاقتصاد نفسه يتحول إلى خصم انتخابي.
وهنا تصبح المعركة أكبر من ترامب. لأن واشنطن قد تكسب جولة عسكرية، لكنها تخسر جزءًا من ثقة الداخل، أو تدفع حلفاءها وخصومها معًا إلى إعادة حساباتهم.
«الضغط الأقصى»… عندما يتحول السلاح إلى عبء
ربما كانت واشنطن تراهن على أن الضغط الاقتصادي الهائل سيجبر إيران على تغيير سلوكها. لكن الضغط لا ينتج دائمًا الاستسلام… أحيانًا ينتج المقاومة.
والعقوبات قد تدفع الخصم إلى البحث عن شركاء جدد، والحصار قد يدفعه إلى بناء طرق بديلة، والضغط قد يدفعه إلى توسيع تحالفاته.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي: هل تستطيع أمريكا إيلام إيران؟ نعم.
لكن السؤال الأكثر أهمية: هل تستطيع إجبارها على تغيير سلوكها دون أن تدفع واشنطن نفسها ثمنًا استراتيجياً باهظاً؟
وهذه هي المشكلة التي تتجاوز إيران. فإذا استمرت واشنطن في استخدام القوة والعقوبات والضغط في أكثر من جبهة، فقد تجد نفسها أمام نتيجة عكسية: بدل أن تجعل العالم أكثر اعتمادًا عليها، تدفع بعض الدول إلى البحث عن عالم أقل اعتمادًا عليها.
غزة… والقوة التي لا تقاس بالصواريخ
وهنا تدخل غزة إلى المشهد. القوة الأمريكية ليست حاملات طائرات فقط، هناك قوة أخرى أكثر هدوءًا، لكنها شديدة التأثير: قوة الصورة والثقة.
كلما طال الصراع، اتسع السؤال حول صورة الولايات المتحدة ومكانتها السياسية والأخلاقية في العالم. وقد تخسر الدولة معركة عسكرية وتستعيد قوتها، لكن عندما تبدأ في خسارة الثقة، تصبح استعادة ما فقدته أكثر صعوبة.
وهذا هو الخطر الحقيقي: أن تبدأ دول كثيرة في التفكير بأن الاعتماد الكامل على واشنطن لم يعد خيارًا آمنًا أو دائمًا. عندها تبدأ البدائل: في الطاقة، وفي التجارة، وفي التمويل، وفي السلاح، وفي التحالفات.
ولا تحتاج هذه الدول إلى إعلان الحرب على أمريكا، يكفي أن تقلل اعتمادها عليها… وهكذا تكون الخسارة صامتة.
أمريكا… هل تحمي نفوذها أم تستنزفه؟
هنا نصل إلى السؤال الذي أراه أخطر من كل ما سبق: لماذا تفعل واشنطن كل هذا؟ هل لا ترى المخاطر؟
بلى، ترى. لكن الدول الكبرى لا تتحرك دائمًا وفق أفضل ما يمكن فعله، بل أحيانًا وفق أكثر ما تخشاه.
وأكبر مخاوف واشنطن قد لا يكون إيران وحدها، ولا روسيا وحدها، ولا الصين وحدها… بل أن تستيقظ ذات صباح فتجد أن العالم بدأ يتعلم: كيف يعيش دون أن تكون أمريكا هي مركز كل شيء.
الصين تصعد، وروسيا تقاوم، وإيران توسع أدوات نفوذها، والهند تتقدم، ودول كثيرة تريد مساحة أكبر للمناورة. والعالم يتحرك تدريجيًا نحو تعددية أكبر.
وهنا تواجه أمريكا معضلة تاريخية: إذا تراجعت كثيرًا خسرت نفوذًا، وإذا تشبثت بكل شيء ارتفعت تكلفة نفوذها. وهذه هي مفارقة القوة العظمى:
كلما اتسعت مصالحك، اتسعت حدود ما يجب عليك حمايته.
وكلما اتسعت حدود ما تحميه… ارتفعت تكلفة الإمبراطورية.
النهاية: هل يمكن أن يصبح الدفاع عن النفوذ سببًا في ضياعه؟
لا أعتقد أن أمريكا تريد تدمير مستقبلها، لكنني أعتقد أن الخوف على النفوذ قد يقود أحيانًا إلى قرارات تضعف النفوذ نفسه.
الإمبراطوريات لا تسقط دائمًا لأنها ضعيفة؛ أحيانًا تبدأ في السقوط عندما يصبح الحفاظ على قوتها أكثر تكلفة من قدرتها على الاحتمال.
وأمريكا لم تسقط، ولا يبدو أنها ستسقط غدًا. لكن العالم يتغير، وموازين القوة تتحرك، والنظام الدولي الذي عرفناه طوال عقود لم يعد ثابتًا كما كان.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل ستنتصر أمريكا على إيران؟
بل: ماذا سيبقى من النفوذ الأمريكي بعد انتهاء المعركة؟
كم حليفًا سيعيد حساباته؟
كم دولة ستبحث عن بديل؟
وكم خصمًا سيكتشف أن مواجهة واشنطن لم تعد مستحيلة؟
فالقوة العظمى لا تُقاس بقدرتها على بدء الحرب فقط… بل بقدرتها على إنهائها وهي أقوى مما كانت عليه قبلها.
وربما يكون السؤال الأخير هو الأخطر:
هل تخوض أمريكا معاركها اليوم لتحافظ على العالم الذي صنعته… أم أن خوفها من فقدان هذا العالم يدفعها، دون أن تدري، إلى صناعة عالم جديد لن تكون فيه وحدها صاحبة الكلمة الأولى؟
