بقلم: د/ رمضان بلال_مصر
لن أكتب اليوم بلغة البيانات الدبلوماسية الباردة. ولن أختبئ خلف الكلمات الناعمة بينما أطفال السودان يُدفنون تحت الأنقاض. هناك أطفال قُتلوا في نبع الحنان. وهناك قوة مسلحة اتهمها التحقيق الأممي بتنفيذ الهجمات. لكن السؤال الذي يجب أن يهز عواصم المنطقة ليس فقط: من ضغط على الزناد؟ بل: من جعل الزناد قادرًا على الوصول إلى الأطفال؟
هنا تبدأ مسؤولية كل من سلّح ومول ونقل ودرب وسهّل. وهنا تحديدًا يظهر الاسم الإماراتي في ملف السودان. فالتحقيق الأممي الأخير لم يتحدث عن شائعة على مواقع التواصل، وإنما قال إن لديه أسبابًا معقولة للاعتقاد بأن شبكة عابرة للحدود زوّدت قوات الدعم السريع بالأسلحة والمعدات واللوجستيات والتدريب والأفراد الأجانب. والأخطر أن التقرير قال إن أفرادًا وكيانات تعمل من الإمارات أو مرتبطة بها لعبت دورًا مهمًا في شبكات التجنيد والتمويل والنقل والنشر وتقديم الدعم العسكري الذي استفادت منه قوات الدعم السريع.
إذن لا يجوز أن نغلق الملف عند اسم المقاتل الذي أطلق النار.
المسؤولية ليست فقط مسؤولية الزناد
من يطلق النار يتحمل مسؤولية الجريمة. لكن ماذا عن الذي يوفر السلاح؟ وماذا عن الذي يمول؟ وماذا عن الذي يوفر اللوجستيات؟ وماذا عن الذي يجند المقاتلين؟ وماذا عن الذي يتيح لهم الوصول إلى التكنولوجيا العسكرية؟ وماذا عن الذي يعرف أن هذه القوة ترتكب الفظائع ثم يستمر في تمكين شبكاتها؟
هنا لا نتحدث عن تعاطف سياسي. نحن نتحدث عن سؤال المسؤولية. والتحقيق الأممي وضع الإمارات وشبكات مرتبطة بها داخل هذا السؤال بصورة لا يمكن تجاهلها.
نبع الحنان ليست حادثًا عابرًا
عندما تُضرب منشأة للأطفال ثم يمتد القتل إلى من يهرعون لإنقاذهم، ثم تصل الهجمات إلى المستشفى، فنحن أمام شيء يتجاوز مفهوم «الاشتباك العسكري». إنها حرب تُدفع فيها فاتورة الدم من جسد المدني. وقد وثقت الأمم المتحدة أن استخدام الطائرات المسيّرة والأسلحة المتطورة أدى إلى سقوط أعداد كبيرة من المدنيين، وأن هجمات على مدارس ومستشفيات وأسواق ومواقع نزوح قد ترقى إلى جرائم حرب.
فمن أين جاءت هذه القدرة؟ ومن الذي أطال عمرها؟ هذا هو السؤال الذي يجب أن يظل مفتوحًا.
إلى الإمارات: النفي لا يكفي
الإمارات تنفي دعم الدعم السريع عسكريًا. حسنًا. إذا كان النفي صحيحًا، فليكن التحقيق مفتوحًا. افتحوا السجلات. اكشفوا الشركات. اكشفوا التحويلات. اكشفوا الرحلات. اكشفوا الوسطاء. اكشفوا مسارات السلاح. اكشفوا شبكات المتعاقدين العسكريين. ولنترك الوثائق تتحدث.
لأن دولة تقول إنها لا تدعم طرفًا في حرب، ثم تظهر كيانات وأفراد مرتبطون بها في شبكات التمويل والتجنيد والنقل والدعم العسكري الذي يستفيد منها ذلك الطرف، لا يمكنها أن تطلب من العالم أن يغلق عينيه.
السودان ليس ملعبًا لأحد
السودان ليس شركة. وليس منجم ذهب. وليس ممرًا استراتيجيًا لمن يدفع أكثر. وليس دولة يجوز تفكيكها ثم الوقوف بعيدًا لمشاهدة شعبها يموت.
السودان للسودانيين. وثرواته للسودانيين. ومستقبله يقرره السودانيون.
ومن يريد أن يساعد السودان فليساعده في السلام والإعمار والدواء والغذاء. أما تحويل الحرب إلى سوق للسلاح والمرتزقة والتكنولوجيا العسكرية، فهذه جريمة سياسية وإنسانية يجب أن تتوقف.
من بحر البقر إلى نبع الحنان
في مصر، لا نحتاج إلى شرح معنى أن تتحول المدرسة إلى مقبرة. ذاكرة المصريين ما زالت تحمل اسم: بحر البقر.
واليوم يحمل السودان اسمًا آخر: نبع الحنان.
المكانان مختلفان. والزمان مختلف. والفاعلون مختلفون. لكن الطفل واحد. طفل لا يعرف شيئًا عن صراع الكبار.
وهنا يجب أن نتعلم الدرس: عندما تتحول المنطقة إلى ساحات نفوذ، يكون الطفل العربي أول من يدفع الثمن.
والإمارات أمام سؤال التاريخ
لن أقول إن هناك وثيقة أثبتت أن القيادة الإماراتية أصدرت أمرًا مباشرًا بقصف نبع الحنان؛ هذا غير مثبت في الأدلة المنشورة التي اطلعت عليها. لكنني سأقول ما تثبته التحقيقات: هناك دور لشبكات مرتبطة بالإمارات في تمويل وتجهيز ونقل ودعم عناصر استفادت منها قوات الدعم السريع.
وهذا وحده كافٍ لطرح السؤال الأخطر: هل يمكن لمن يمكّن آلة الحرب أن يتنصل من نتائجها عندما تصل النار إلى الأطفال؟
إذا كانت الإجابة «لا»، فليبدأ الحساب. وإذا كانت الإجابة «نعم»، فليشرحوا للعالم كيف يمكن تمويل وتسليح قوة مسلحة ثم غسل اليدين من نتائج ما تفعله.
نريد محاسبة.. لا ثأرًا
نحن لا نريد الانتقام من الشعب الإماراتي. الشعب الإماراتي ليس هو حكومته. ولا نريد الكراهية بين الشعوب العربية.
نريد شيئًا أبسط وأشد: الحقيقة. نريد تحقيقًا دوليًا مستقلًا. نريد كشف شبكات التمويل والسلاح. نريد تحديد المسؤولين. نريد محاسبة كل من شارك في تسليح أو تمويل أو تسهيل الجرائم.
سواء كان في الخرطوم… أو أبوظبي… أو أي عاصمة أخرى.
فالدم السوداني ليس أرخص من النفط ولا الذهب ولا المصالح الجيوسياسية.
كلمة أخيرة
يا شعب السودان… لا تسمحوا لأحد أن يسرق وطنكم باسمكم.
ويا شعب الإمارات… من حقكم أن تعرفوا أين تذهب أموال بلدكم، ومن يستفيد من نفوذها، ولماذا تظهر أسماء وكيانات مرتبطة بالإمارات في ملفات دعم أطراف الحرب.
أما نحن، فلن نسكت عن السؤال: من قتل أطفال نبع الحنان؟ ومن سلّح؟ ومن موّل؟ ومن سهّل؟ ومن استفاد؟ ومن سيحاسب؟
فالطفل الذي مات في نبع الحنان لم يكن يعرف أبوظبي ولا الخرطوم ولا واشنطن. كان يعرف فقط أنه ذاهب إلى مكان اسمه: نبع الحنان. فكيف تحول الحنان إلى مقبرة؟
