بقلم: أ. د. أحمد عبد الخالق سلامة
مؤسس المشروع العربي لأدب الرياضيات (الرياضيات الأدبية)
أستاذ الرياضيات وعلوم الحاسب – كلية العلوم – جامعة بورسعيد – مصر
يا للعجب! إبليس الذي كان يومًا ما أستاذًا في مدرسة الشر، صار اليوم يجلس في الصفوف الخلفية، يرفع يده خجلاً ليطلب من البشر درسًا إضافيًا في الخبث. كان يظن أنه المعلّم الأول، فإذا بالبشر يسبقونه في فنون الشر كما يسبق التلميذ أستاذه في الغش يوم الامتحان.
إبليس القديم كان يكتفي بالوسوسة، يهمس في الأذن ويترك القرار للإنسان. أما البشر اليوم، فقد ابتكروا طرقًا لا تخطر حتى على بال الشيطان:
يبيعون الضمير في المزاد العلني، ويشترون المناصب بعملة النفاق.
يزرعون الفتنة في البيوت، ويشعلون الحروب في المجالس، ويحوّلون الكلمة إلى سيفٍ يقطع الأرحام.
يبتسمون ابتسامة ملائكية، بينما يخفون خلفها خنجرًا مسمومًا.
فصار إبليس يكتب شكواه في دفتره الأسود:
يا رب، لقد خلقتني لأكون عدوًا لبني آدم، فإذا بهم صاروا أعداءً لأنفسهم قبلي. لقد تجاوزوني في الشر، حتى صرتُ أبدو أمامهم كطفلٍ بريء يتعلم الحيلة لأول مرة.”
والمفارقة أن إبليس نفسه قد صار ضحية، يشتكي من ظلم البشر، وكأن العالم فقد توازنه لدرجة أن الشيطان يحتاج إلى علاج من شر الإنسان.
فيا أيها القارئ، لا تبحث عن إبليس في الأساطير، ولا في الحكايات القديمة، بل انظر حولك: ستجده في هيئة إنسانٍ يبتسم لك وهو يخطط لدمارك، أو يمدحك وهو يطعن فيك، أو يشاركك خبزك وهو يسرق كرامتك..
