بقلم: الأستاذ الدكتور أحمد سلامة
(مؤسس المشروع العربي لأدب الرياضيات – أستاذ الرياضيات وعلوم الحاسب، كلية العلوم، جامعة بورسعيد – مصر)
حين يتأمل المرء وجه التاريخ، ويفتش في دفاتر المجد عن مدينةٍ خطّت بدموع الأبطال وصمود الرجال ملحمة الكرامة، فلا عجب أن يترجل القلم إجلالاً أمام المنصورة؛ عروس النيل الساحرة التي تتربع على شط الدلتا كأنها درةٌ متلألئة في عقد الزمان.
ليست المنصورة مجرد رقعة جغرافية على ضفاف النيل العظيم، بل هي في الوعي الإنساني معادلةً أزلية تتوازن فيها رقة الحرف مع صرامة التحدي. هي المدينة التي لقّنت الغزاة دروساً في الفناء على أبواب لويس، فصارت أسوارها حصناً منيعاً لا يُضام، ووبل مياهها غزيراً بالطهر والوفاء.
في شوارعها العتيقة يمتزج عبق الماضي بنبض الحضارة؛ حيث تفوح من بين أزقتها روح العلم والعلماء، وتزدهر فيها قاعات الفكر والأدب لتكون بحق مستودعاً للطب والبيان. وكأن النيل حين يمرّ بها يهدئ من روعه، ليتأمل أناقة هندستها وتاريخها النابض بالحياة، مرتلًا تراتيل الخلود على حافات مشربيتها وطيب أرضها.
يا بقعةً أنجبت العقول، ونبتت في تربتها أصالة النيل، يا من تحضنين بين حناياكِ دفء القلوب وعزيمة المخلصين.. تبقين دائماً في أعماق الروح منارةً لا تُطفَأ، وعنواناً للجمال الذي يرفض الانكسار.
