قصيدة عامية بقلم: حمدي عبدالوهاب
الزمن أخد كل الحلو منّي
وحاسبني على العمر والمشاريب
وزرع في ضلوعي نار همّي
وساب في راسي شُعلة مشيب
وأنا اللي كنت أعاتب ظنّي
وأقول: بكرة ييجي النصيب
لقيت ظنّي هو اللي ظلمني
وسابني في آخر الليل غريب
لا خالي حضن يومًا همّي
ولا عمّي كان وقتي قريب
ناديت صوت الدم في دمي
رجع صوتي مكسور… وما فيش مجيب
باعوني حتى اللي من دمي
كأن القرابة عندهم عيب
وبقى دمي، من كتر ما ظلمني،
يجري في عروقي… ويحسسني غريب
غدر القريب ووجع الصدمة
أنا كنت فاكر حضن بيتي
أمان العمر، وساتر كل عيب
لقيت البيت لما ضاق بيتي
بقى أضيق من صدرٍ كئيب
وكنت أروي الودّ من دمعي
وأحسب عطشي فيهم نصيب
لقيت اللي زرعته وردًا
طلع في كفّي شوكًا ولهيب
وكنت أفتكر القرب رحمة
وإن اللي يسكن القلب حبيب
لقيت بعض القرب غدرًا
وبعض البعاد أرحم من قريب
وفي ساعة الشدة بانوا
لا ساتر ستر، ولا صاحب طبيب
ناس كانت في الرخا حواليّا
ولما مال المركب… بقت تغيب
معنى الجدعنة والأصل
عرفت إن الجدع مش كلمة
ولا صوت عالي ولا خطيب
الجدع كتف وقت الوقعة
وإيد تشدّك لو الدرب صعيب
وعرفت إن الأصل مش دمّك
ولا اسم العيلة ولا النسب
الأصل موقف وقت المحنة
وقت ما يبقى القريب غريب
واللي يصون العِشرة في غيبي
أصون عهده مهما يغيب
وأحطه فوق الراس قدره
وأفتح له في القلب ألف نصيب
واللي يبيع الودّ في غيابي
أسيبه للوقت… والوقت مجيب
فمش كل اللي راح خسارة
ومش كل اللي غاب كان حبيب
العزة والكرامة بعد النار
أنا مش هحمل غدرهم همّي
ولا أخلي وجعهم يستطيب
هسيب حسابهم عند ربّي
هو أعلم بالظالم والمظلوم والمصيب
كرامتي عندي أغلى من مالي
وأغلى من خزائن الذهب والجيب
ما أبيعش نفسي عشان خاطر
قلبٍ باعني وكان مستريب
أنا اتعلمت إن الجرح معلّم
وإن الوجع ساعات طبيب
وإن اللي يطلع من قلب النار
ما يرجعش أبدًا نفس الحبيب
كل طعنة دقّت في صدري
خلّت في ضلوعي ألف تخطيط
وكل دمعة نزلت من عيني
غسلت من روحي وشًّا كذيب
واللي افتكر سكوتي ضعف
ما عرفش معنى الصمت الرهيب
البحر ساكت فوق موجه
وتحت السكون موجٍ رهيب
كتابة جديدة ووقوف من جديد
أنا ما هددتش… ولا توعدت
ولا رفعت سيفي في الغضب
أنا بس شلت إيدي من إيدهم
وسبت للدهر باقي الحساب
فاللي يزرع في دربي شوكة
ما ينتظرش من شوكه طيب
واللي يسقي الناس من مرّه
هيشرب يوم من نفس المشريب
ولو طال الليل فوق عيني
أنا عارف إن الفجر قريب
ولو ضاق الطريق في خطوتي
هشقّ الصخر… لو كان صعيب
ولو كل الأبواب اتقفلت
هفتح من عزمي بابٍ جديد
وأمشي، ولو وحدي في دربي
ما دام ربّي للعبد مجيب
أنا مش ابن الحظ اللي خانني
ولا ابن حضنٍ كان مستريب
أنا ابن وجع ربّاني وحدي
وابن صبرٍ عمره ما يخيب
أنا اللي اتكسرت… وما انحنيتش
واتوجعت… وما طلبتش طبيب
ولمّا اتعرّى وشّ الدنيا
عرفت مين حقيقي ومين كذيب
ومن نار وجعي صنعت معنى
ومن رماد عمري ألف نصيب
ومن يوم ما دمي بقى غريب
عرفت إنّي لنفسي أقرب حبيب
الخاتمة والعهد
فيا زمن، خد كل اللي خدته
وخد من عمري باقي المشاريب
بس سيب لي قلبي… سيب كرامتي
وسيـب لي في صدري آخر لهيب
أنا مش هبكي على اللي باعني
ولا أطلب من غايب حبيب
اللي اختار يخرج من حياتي
خرج… والباب بعده ما يغيب
وإن سألوا يومًا عن حكايتي
قولوا: اتوجع… لكن ما خاب
وقع كتير، وقام أكتر
وصان نفسه لما الكل غاب
وقولوا: كان دمه يومًا غريب
وكان ظنّه أضعف نصيب
لكن لما عرف قيمة نفسه
بقى من وجعه… شيء مهيب
