بقلم: إيمان حجاج_مصر
لم تُخلق الأحزاب السياسية لتكون مجرد جهات تقدم قوافل طبية، أو توزع مساعدات، أو تجهز عرائس، رغم أهمية هذه الأعمال الإنسانية ودورها في تخفيف معاناة بعض الأسر، لكنها تظل حلولًا مؤقتة تنتهي بانتهاء المساعدة. أما الدور الحقيقي للحزب السياسي، فيبدأ من حيث تنتهي القافلة وتنتهي الإعانة؛ من صناعة السياسات، واقتراح التشريعات، ومراقبة الأداء، وتقديم حلول حقيقية ومستدامة لمشكلات المجتمع.
الحزب القوي ليس الذي يوزع أكثر، وإنما الذي يفكر أبعد. وليس الذي يطارد الصورة في المناسبات، وإنما الذي يضع رؤية قابلة للتنفيذ لتحسين حياة المواطن. فالمواطن لا يحتاج إلى مسكن مؤقت بقدر احتياجه إلى علاج طويل الأمد يغير واقعه ويمنحه فرصة حقيقية لحياة أفضل.
وتأتي التشريعات في مقدمة الأدوار التي يجب أن تضطلع بها الأحزاب، من خلال نوابها وأعضائها وخبرائها، بطرح قوانين تستجيب لمتغيرات المجتمع، وتدعم الاستثمار والإنتاج، وتحمي المواطن، وتيسر عمل القطاع الخاص، وتواجه الاحتكار، وتفتح أبوابًا جديدة أمام الشباب.
كما يجب أن تكون الأحزاب طرفًا فاعلًا في مواجهة التحديات الاقتصادية، ليس بمجرد تشخيص الأزمة، وإنما بتقديم حلول عملية لزيادة الإنتاج، وترشيد الإنفاق، وتشجيع الاستثمار، وتعميق التصنيع المحلي، وزيادة الصادرات، وتوفير بيئة أكثر جذبًا لرؤوس الأموال.
وفي التعليم والصحة، لا يكفي أن تنظم الأحزاب يومًا طبيًا أو تقدم بعض الأدوات الدراسية، بينما المطلوب هو تقديم رؤى متكاملة لتطوير المنظومتين، وربط التعليم باحتياجات سوق العمل، والتوسع في التعليم الفني والتكنولوجي، وتحسين أوضاع المعلمين، وتطوير المستشفيات، ودعم البحث العلمي، والاستفادة من التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
أما البطالة، فهي تحتاج إلى حلول تتجاوز فكرة توفير وظيفة مؤقتة. المطلوب استراتيجية تخلق فرص العمل من خلال التوسع في الصناعة، والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، والتدريب المهني، وريادة الأعمال، وربط مخرجات التعليم باحتياجات السوق.
والصناعة تحديدًا يجب أن تكون في قلب البرامج الحزبية، لأن توفير فرصة عمل مستدامة يبدأ من اقتصاد منتج قادر على المنافسة والتصدير. كما أن التوسع العمراني يجب ألا ينحصر في بناء مساكن فقط، وإنما في إنشاء مجتمعات متكاملة تتوافر فيها المدارس والمستشفيات ووسائل النقل وفرص العمل والخدمات، حتى يتحول العمران إلى قوة إنتاج وتنمية حقيقية.
والحزب الذي يريد أن يخدم المواطن عليه أن يكون حاضرًا في مشكلاته اليومية، لكن ليس بهدف تقديم حل مؤقت لكل أزمة، وإنما لفهم أسبابها وتحويلها إلى ملفات تشريعية وسياسات قابلة للتنفيذ. فمشكلة المواصلات تحتاج إلى رؤية للنقل، ومشكلة البطالة تحتاج إلى استراتيجية للتشغيل، ومشكلة ارتفاع الأسعار تحتاج إلى سياسات للإنتاج والأسواق، ومشكلات التعليم والصحة تحتاج إلى تشريعات وخطط تطوير مستدامة.
وهنا يجب أن تتغير فلسفة العمل الحزبي. فالمنافسة بين الأحزاب ينبغي ألا تكون على من يوزع مساعدات أكثر، وإنما على من يقدم برنامجًا أكثر قدرة على حل مشكلات المجتمع، ومن يملك أفكارًا قابلة للتطبيق، ومن يستطيع تحويل احتياجات المواطن إلى تشريعات وسياسات عامة.
وفي النهاية، آن الأوان أن نعيد تعريف دور الحزب السياسي أمام المواطن والدولة. فالحزب ليس جمعية خيرية، ولا صندوق إعانات، ولا منصة موسمية للظهور؛ الحزب مؤسسة سياسية مهمتها أن تملك رؤية، وتقدم تشريعًا، وتراقب أداءً، وتقترح حلولًا، وتشارك في صناعة القرار.
المطلوب من الأحزاب اليوم أن تنتقل من إدارة الاحتياج إلى صناعة الحل، ومن التعامل مع نتائج الأزمات إلى مواجهة أسبابها؛ أن يكون لديها مشروع واضح للاقتصاد، ورؤية للتعليم والصحة، وخطة لمواجهة البطالة، وبرنامج للتصنيع والعمران وتحسين الخدمات.
والرسالة السياسية هنا واضحة: قيمة الحزب لا تُقاس بعدد القوافل التي نظمها، ولا بعدد كراتين المساعدات التي وزعها، وإنما بما قدمه من تشريعات وأفكار وسياسات أسهمت في تحسين حياة الناس وبناء مستقبلهم.
فالمواطن يستحق حزبًا يخاطب عقله قبل احتياجه، ويقدم له فرصة قبل الإعانة، وقانونًا يحمي مستقبله قبل مساعدة تنتهي بانتهاء المناسبة.
إن قوة الحياة الحزبية تبدأ عندما تتحول الأحزاب إلى شريك حقيقي في صناعة السياسات العامة، ومصنع للأفكار، وصوت للمواطن داخل مؤسسات الدولة. وعندها يصبح العمل السياسي وسيلة لبناء دولة أقوى ومجتمع أكثر إنتاجًا، لا مجرد حضور مؤقت في المشهد.
السياسة الحقيقية ليست أن نُسكن وجع المواطن ليوم، بل أن نضع التشريع والسياسة والاقتصاد في خدمة علاج هذا الوجع من جذوره. تلك هي مسؤولية الأحزاب، وذلك هو الاختبار الحقيقي لدورها أمام المواطن والتاريخ.
