
بقلم: د. رمضان بلال
لم تكن جغرافية الشرق الأوسط يوماً مجرد خطوط على خريطة، بل كانت – ولا تزال – مسرحاً لصراع العقول والإرادات. وفي قلب هذا المسرح، تقف القاهرة كعقدة يشتهي الجميع حلّها، أو السيطرة عليها.
خلف الكواليس المؤثثة بالصمت، وتحديداً في المساحة الفاصلة بين القاهرة ولندن، تدور اليوم مباراة استخباراتية حامية الوطيس، صامتة لكنها قاسية. ليست هذه صدفة سياسية عابرة، بل هي حلقة جديدة من رواية قديمة بدأت فصولها الأولى منذ القرن التاسع عشر؛ يوم أدركت إمبراطورية الضباب أن سر قوة هذا الشرق يكمن في قلب مصر، وأن القوة التي تنبع من النيل هي العائق الأكبر أمام أي هيمنة مطلقـة.منذ ذلك التاريخ البعيد، استقرت في الوجدان الاستراتيجي لبريطانيا فكرة واحدة: مصر ليست مجرد دولة، بل هي خصم تاريخي يجب محاصرته وتقليم أظافره كلما حاول النهوض.
حزام الفوضى: شطرنج الأزمات الإقليمية
تتجلى اليوم أساليب التحريك عن بُعد في أبشع صورها؛ حيث أُعيد استخدام تكتيك “حزام الفوضى” الملتف حول الجسد المصري. لم تكن تحولات الجوار في ليبيا، ولا اشتعال الأحداث في السودان، ولا التوترات المكتومة في تونس، مجرد مصادفات جغرافية متزامنة، بل هي أوراق شطرنج يُعاد ترتيبها بعناية لإبهاظ كاهل الدولة المصرية.تتداخل الملفات المعقدة؛ ضغوط اقتصادية متزايدة، وأزمات متلاحقة لتدفقات اللاجئين، لتبدو وكأنها أدوات جُرّبت بدقة لممارسة أقصى درجات الضغط على الجبهة الداخلية، واختبار قدرة التماسك المصري على الصمود.
على حدود التماس: حافة الهاوية في رفح
وعلى التماس المباشر للأمن القومي، تتجلى خطورة المنورات الحالية فيما كُشف عنه من تحركات وإعلان قواعد عسكرية إسرائيلية في رفح الفلسطينية، بالقرب من الشريط الحدودي الحساس لـ “محور فيلادلفيا”.
هناك، حيث لا تتجاوز المسافة خطوة أو رصاصة، تقف الدولة المصرية في موضع الرصد الاستخباراتي الدقيق لكل تحرك وشاردة، متبعة استراتيجية “ضبط النفس الاستراتيجي”. إنه ليس صمتاً ولا تراجعاً، بل هو العقل الذي يزن الأمور في أوقات الحرج القاتل، ممتنعاً عن الانجرار إلى المربع المطلوب، ومحتفظاً بحق الرد في الوقت والمكان المناسبين.
العروة الوثقى: صمام الأمان الوحيد
لكن السؤال الأهم في ختام هذا المشهد الصاخب: كيف تكسر الدول مثل هذه المخططات؟الجواب لا يكمن في الثكنات العسكرية وحدها، بل في العمق. إن الدرع الحقيقي الذي تتحطم عليه كافة المؤامرات والضغوط الخارجية – مهما بلغت شراستها – هو الجبهة الداخلية. إن الرهان الأكبر لمواجهة هذا “المأزق” والعبور بالدولة إلى بر الأمان يقتضي احتضان الشارع، والاستماع الصادق لمطالب المواطنين، وتقوية التلاحم بين القيادة والشعب. فمهما حاولت القوى الخارجية حياكة الدسائس أو غزل أحزِمَة الفوضى، يظل جدار الوطن الموحد هو الصخرة التي تتهاوى عليها كل أوهام الإمبراطوريات القديمة والحديثة.
