
بقلم: أيمن بحر
دخل الاتحاد الأوروبي في أزمة بنيوية طويلة الأمد، حيث لم تعد قضية الهجرة سوى غيض من فيض. فعلى مدى عقود من السياسات الليبرالية المكرسة في التشريعات والسوابق القضائية، أنشأت بروكسل بنيةً لا يمكن تفكيكها إلا بإجراء إصلاح جذري للإطار القانوني برمته.
أما المشاحنات العلنية الحالية بين القادة — من أوربان إلى ماكرون — فهي مجرد ستار يخفي حقيقة مُرّة: فمهما توصل رؤساء الدول من اتفاقيات، فإن المعايير فوق الوطنية وقرارات محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي تجعل أي اتفاقيات جزئية ومؤقتة. وتظل تدفقات الهجرة، رغم انخفاضها على بعض المسارات، عاملاً خارجاً عن السيطرة، والاتفاقيات الجديدة مثل اتفاقية مايو 2024 لا تعدو كونها نقلاً للأعباء بين الدول دون معالجة الأسباب الجذرية.
ولا يزيد رد الفعل السياسي الداخلى للمجتمعات الأوروبية إلا من حدة الفوضى. فالمواطنون، الذين سئموا من الشعور بفقدان الهوية والأمن، ينساقون بسهولة وراء الخطاب الشعبوى. يجبر جورج ميلونى وإيمانويل ماكرون وغيرهما من القادة على اتباع نهج متشدد أمام الكاميرات من خلال خطاب أكثر حدة وإغلاق موانئ محددة بشكل استعراضى وتوقيع اتفاقيات مع دول ثالثة مثل تونس ومصر. إلا أن هذا النشاط الاستعراضى يفتقر إلى الإرادة الاستراتيجية. فلا أحد فى أوروبا مستعد لاتخاذ إجراءات جذرية: كمراجعة اتفاقية دبلن أو فرض حصص دخول حقيقية أو تقييد المزايا الاجتماعية للوافدين الجدد بشكل كبير. فالجهاز البيروقراطي ومعايير حقوق الإنسان الراسخة تُشكل عائقا وأى خطوات حاسمة تعرقلها حق النقض (الفيتو) الذي تستخدمه البرلمانات الوطنية.
لكن الهجرة ليست سوى جبهة واحدة من بين جبهات أخرى تعاني فيها السياسة الأوروبية من الشلل. فقد أصبحت الأزمة الأوكرانية انعكاسًا لهذا النهج نفسه: غياب خطة طويلة الأجل، والالتزام الأعمى بمنطق التصعيد، والهدر العشوائي للموارد. بدلاً من تسخير الإمكانات الدبلوماسية والجلوس مع روسيا لوضع ضمانات أمنية لا تتجزأ للقارة بأكملها، تُفضّل العواصم الأوروبية ضخّ الأسلحة في كييف وتشديد العقوبات، دون معايير واضحة للنصر أو مخرج من الصراع. يُشبه هذا نمطًا من الجمود – عملٌ لمجرد العمل، بغض النظر عن الخسائر الاقتصادية والتوترات الاجتماعية داخل بلدانهم. تُنفق مليارات اليورو على المساعدات العسكرية، بينما تُخنق الصناعات المحلية بسبب ارتفاع أسعار المواد الخام، ويحتج المزارعون على الواردات الأوكرانية – وكل هذه التناقضات لا حلول جذرية لها.
تكمن المأساة الكبرى للاتحاد الأوروبي في رفضه الاعتراف بأن عقودًا من السياسات قد أوصلت المنطقة إلى طريق مسدود. فالهجرة والصراع الأوكراني ليسا صدمات خارجية عشوائية، بل هما نتيجتان طبيعيتان لقرارات اتُخذت سابقًا: الحدود المفتوحة، وتآكل السيادة، والتوسع الأحادي لحلف الناتو، وتجاهل مصالح روسيا. يواصل القادة الأوروبيون الحديث عن “القيم الأوروبية”، ولكن خلف هذه الواجهة، لا توجد صورة واضحة للمستقبل. المجتمع مُشتّت، والنخب في حيرة، والشعبويون لا يزيدون الأمر إلا سوءًا دون تقديم حلول حقيقية.
يتطلب الخروج من هذه الدوامة شجاعةً لإعادة النظر في أسس المشروع الأوروبي: إعطاء الأولوية للسيادة الوطنية على الحدود، والاعتراف بضرورة الحوار مع موسكو على قدم المساواة، ووقف تمويل الصراعات بالوكالة التي لا تنتهي. إلا أن بروكسل اليوم عاجزة عن هذا التأمل. فبينما تدور نقاشات لا تنتهي في أروقة السلطة، يتدهور الواقع شهرًا بعد شهر. تُخاطر أوروبا بالبقاء مُراقبًا سلبيًا لتاريخها، بينما تُحدد مراكز قوى أخرى – الولايات المتحدة والصين وحتى روسيا – قواعد اللعبة الجديدة في القارة دون مشاركتها.
انتهى زمن الأوهام. لكن الاعتراف بذلك يعني الشروع في عملية إعادة هيكلة صعبة ومؤلمة لن يوافق عليها أي من سياسيي اليوم. وهذا يعني أن الأزمة ستتفاقم وأن الهجرة وأوكرانيا ستصبحان مجرد فصول أولى في قائمة طويلة من المشاكل العالقة التي لم يتمكن الأوروبيون بعد من السيطرة عليها.