بين الحب والحاجة
تحليل: حمدي عبدالوهاب
هناك حقائق لا تكشفها البدايات، ولا تفضحها الكلمات العذبة، ولا تظهر في ارتباك النظرة الأولى أو حرارة الشوق الأولى. تظل مختبئة خلف ستار المشاعر، حتى يأتي الزمن، ذلك الكاشف الصامت الذي لا يجامل أحدًا، فيرفع الأستار عن الوجوه والمعاني معًا. وفي لحظةٍ ما، بعد أن تهدأ عاصفة العاطفة، وينطفئ بريق الافتتان، يجد الإنسان نفسه أمام سؤالٍ من أكثر الأسئلة قسوةً وصدقًا: هل كنتُ محبوبًا لذاتي، أم كنتُ مجرد حاجةٍ مؤقتة؟
عندها تبدأ الأشياء في الظهور على حقيقتها؛ تسقط الأقنعة التي صنعتها الرغبات، وتتلاشى الصور التي رسمها الخيال، ويكتشف المرء أن كثيرًا ممن اقتربوا منه لم يكونوا يبحثون عنه هو، بل كانوا يبحثون عما يمنحه لهم وجوده. وهنا يتجلى الفرق العميق بين الحب والحاجة.
فالإنسان كثيرًا ما يخلط بين انجذابه إلى الآخر وانجذابه إلى ما يحققه الآخر داخله؛ فيظن أنه أحب شخصًا، بينما هو في الحقيقة أحب الشعور الذي يمنحه ذلك الشخص، ويظن أنه تعلّق بإنسان، بينما هو متعلق بما يسد به فراغًا في نفسه. المحب يرى في الآخر قيمةً قائمة بذاتها، أما المحتاج فلا يرى الآخر كما هو، بل كما تؤدي وظيفةً في حياته؛ إنه لا يعشق الشخص، بل يعشق الأثر الذي يتركه الشخص فيه.
ومن هنا ينشأ الوهم الأكبر؛ فالمحتاج قد يتألم عند الفقد كما يتألم المحب، لكنه لا يتألم لفقد المحبوب نفسه، بل لفقد ما كان المحبوب يوفره له من أمان أو اهتمام أو مكانة أو معنى. ولذلك فإن الاحتياج كثيرًا ما يرتدي ثوب الحب حتى يخدع صاحبه قبل أن يخدع الآخرين.
إن الحب حركةٌ نحو الآخر، أما الاحتياج فحركةٌ نحو الذات عبر الآخر، وفي هذه النقطة الدقيقة يفترق الطريقان. فالمحب يقول: “أريدك كما أنت، حتى وإن خالفت صورتي عنك”، أما المحتاج فيقول: “أريد الصورة التي صنعتها لك داخل رأسي”، ولهذا ينهار الاحتياج عند أول اختلاف، بينما يزداد الحب صدقًا كلما انكشفت الحقيقة.
والمفارقة المؤلمة أن زمن المصالح لا يسخر من المحتاج، بل يسخر من المحب. فالمحب يمنح دون أن يحسب كثيرًا، ويعطي دون أن يفتش دائمًا عن المقابل، فيبدو في أعين البعض ساذجًا أو مغفلًا، بينما يبدو أصحاب الحسابات الدقيقة أكثر حكمة.
لكن الحقيقة أعمق من ذلك؛ فالمحب لا يخسر حين يعطي، لأنه لم يكن يتاجر أصلًا، أما المحتاج فإنه يدخل كل علاقة وهو يحمل ميزان الربح والخسارة، فإذا انتهت المنفعة انتهت العلاقة، وإذا انقطع العائد انقطع الود. ولهذا فليس كل من قال: “أحبك” كان عاشقًا، فبعض القلوب لا تقول: “أحبك”، بل تقول في أعماقها: “أحتاج ما عندك”.
والفرق بين العبارتين ليس فرقًا في الألفاظ، بل فرقٌ في الماهية ذاتها. فالحب يرى الإنسان غاية، أما الحاجة فترى الإنسان وسيلة. الحب يبقى حين تزول المنافع، والحاجة ترحل حين تنتهي الأسباب. ولعل المأساة الأزلية في العلاقات الإنسانية أن كثيرًا من الناس لا يبحثون عمن يحبهم، بل عمن يملأ نقصًا فيهم، فإذا امتلأ ذلك النقص، سقطت القداسة عن العلاقة، وانكشف أن ما سُمّي حبًا لم يكن إلا احتياجًا ارتدى قناع العشق.
وعندما يصل الإنسان إلى هذه الحقيقة، لا يندم على حبّه، بل يعيد تعريفه؛ فيدرك أن الحب لم يكن يومًا ضعفًا، وأن النبل العاطفي ليس سذاجة، وأن القلب الذي أحب بصدق لم يخسر مهما كانت النهاية. فالخاسر الحقيقي ليس من أحب ولم يُحَب، بل من عجز عن التمييز بين الحب والحاجة، وبين من رآه إنسانًا كاملًا، ومن رآه مجرد جسرٍ يعبر عليه إلى غايةٍ أخرى.
وهكذا يظل الفرق بين الحب والحاجة فرقًا شاسعًا؛ كالفرق بين من يمد يده ليعطي، ومن يمدها ليأخذ، وبين من يرى فيك عالمًا يستحق الاكتشاف، ومن لا يرى فيك إلا ما ينقصه هو.
فالمحب يراك أنت… أما المحتاج فلا يرى إلا نفسه فيك.
<
p data-path-to-node=”15″>
