بين صرخة حافظ إبراهيم وردّ حمدي عبدالوهاب..

By nagah hegazy
صرخة حافظ إبراهيم ورد حمدي عبدالوهاب.. مناظرة شعرية حول القبور والأثر والخالدين

من صرخة حافظ إبراهيم إلى رد حمدي عبدالوهاب.. مناظرة شعرية في فلسفة الأثر والخالدين

 
قال شاعر النيل حافظ إبراهيم:
أَحياؤُنا لا يُرزَقونَ بِدِرهَمٍ
وَبِأَلفِ أَلفٍ تُرزَقُ الأَمواتُ
مَن لي بِحَظِّ النائِمينَ بِحُفرَةٍ
قامَت عَلى أَحجارِها الصَلَواتُ
يَسعى الأَنامُ لَها وَيَجري حَولَها
بَحرُ النُذورِ وَتُقرَأُ الآياتُ
وَيُقالُ هَذا القُطبُ بابُ المُصطَفى
وَوَسيلَةٌ تُقضى بِها الحاجاتُ
فردَّ عليه الشاعر حمدي عبدالوهاب:
أَحياؤُنا جاعوا فقلتُ مُواسيًا
للجوعِ ألفُ حكايةٍ ورواياتُ
لكنَّ فضلَ الصالحينَ إذا سَرَى
فلهُ على مرِّ الزمانِ ثباتُ
قومٌ مضوا وتركوا للناسِ ما
تُحيي به الأرواحُ والعبراتُ
ما ضرَّ قبرًا أن يُزارَ مَحبَّةً
والقلبُ فيهِ مواعظٌ وعِظاتُ
إنَّ القبورَ مدارسٌ مفتوحةٌ
فيها تُجَدَّدُ للفؤادِ حياةُ
نأتي فنذكرُ أنَّ كلَّ ملوكةٍ
طوتِ الليالي عرشَها ومضاتُ
ونرى الغنيَّ وقد تساوى عندها
مع من أثقلَ كاهلَهُ العَوَزاتُ
هي حكمةُ الأيامِ تُلقي درسَها
وتذوبُ عند بيانِها الشُّبُهاتُ
ما كانَ قصدُ الزائرينَ لحجرِهِمْ
فالحجرُ لا تُرجى به البركاتُ
لكنْ لِمَن عمروا القلوبَ بمكرمةٍ
شهدتْ بفضلِ سعيِهِمْ ساحاتُ
كم من يتيمٍ مسحوا آلامَهُ
فغدتْ له من بعدِها بسماتُ
وكم انثنتْ كفُّ الأسى عن بائسٍ
لما أتتهُ من نداهم نفحاتُ
فالناسُ تحفظُ للأكارمِ عهدَهمْ
وتصونُ ما أبقتْ لهم حسناتُ
أمَّا الغلوُّ فليسَ مِنَّا منهجٌ
ولكلِّ فكرٍ زائفٍ آفاتُ
واللهُ ربُّ الخلقِ وحدَهُ الذي
بيديهِ تُقضى للورى الحاجاتُ
لكنَّ ذِكرَ الصالحينَ مروءةٌ
وبه تُصانُ المكرماتُ العالياتُ
لا تُنكروا أنَّ الرجالَ إذا مضوا
بقيتْ لهم بين الأنامِ صفاتُ
فالنهرُ يجري بعد غيبِ منابِعٍ
والنورُ تبقى بعدهُ المشكاةُ
والوردُ يفنى في الربيعِ وإنَّما
يبقى الشذى وتبقى الذكرياتُ
والبدرُ يغيبُ عن العيونِ وإنَّما
في القلبِ تبقى منه إشراقاتُ
والعلمُ يبقى بعد موتِ رجالِهِ
وتظلُّ تنبضُ حولَهُ الحلقاتُ
والشعرُ يبقى بعد موتِ قائلٍ
وتدورُ بين الناسِ أبياتُ
فإذا جرى ذِكرُ الكرامِ فإنَّما
تحيا على أيديهمُ اللغاتُ
وإذا وقفنا عند قبرِ مُحسنٍ
فالشكرُ بعضُ الوفاءِ لا سجداتُ
ما قيمةُ الإنسانِ بعد رحيلهِ؟
أموالُهُ؟ أم جاهُهُ؟ أم ذاتُهُ؟
كَلَّا… ولكنْ ما أقامَ من الندى
وما استنارتْ باسمهِ الطرقاتُ
فالناسُ تمضي والجسومُ ترابُها
وتظلُّ بعد الراحلينَ سماتُ
وتعيشُ أعمارُ الرجالِ بأثرِهمْ
لا بالسنينِ تُقاسُ أو أوقاتُ
ويظلُّ ذِكرُ الصادقينَ منارةً
تهدي القلوبَ إذا دجتْ ظلماتُ
فالعمرُ ليسَ بعدِّ أيامِ الفتى
لكنْ بما تركتْ يداهُ ثباتُ
فاسألْ ضريحَ العظماءِ فإنَّهُ
أدرى بما صنعتْ بهم سنواتُ
ماتوا… فصاروا في القلوبِ منارةً
أمَّا الأحياءُ فكم بهم أمواتُ!
حمدي عبدالوهاب.
Share This Article
Leave a review

شاركنا برأيك.. يسعدنا سماع وجهة نظرك

error: Content is protected !!