بين صرخة حافظ إبراهيم وردّ حمدي عبدالوهاب: مناظرة شعرية في فلسفة الأثر والخالدين
بقلم: حمدي عبدالوهاب (مصر)
شاعر وزجال مصري
قال شاعر النيل حافظ إبراهيم:
أَحياؤُنا لا يُرزَقونَ بِدِرهَمٍ … وَبِأَلفِ أَلفٍ تُرزَقُ الأَمواتُ
مَن لي بِحَظِّ النائِمينَ بِحُفرَةٍ … قامَت عَلى أَحجارِها الصَلَواتُ
يَسعى الأَنامُ لَها وَيَجري حَولَها … بَحرُ النُذورِ وَتُقرَأُ الآياتُ
وَيُقالُ هَذا القُطبُ بابُ المُصطَفى … وَوَسيلَةٌ تُقضى بِها الحاجاتُ
فردَّ عليه الشاعر حمدي عبدالوهاب:
نص المعارضة والرد الشعري:
أَحياؤُنا جاعوا فقلتُ مُواسيًا … للجوعِ ألفُ حكايةٍ ورواياتُ
لكنَّ فضلَ الصالحينَ إذا سَرَى … فلهُ على مرِّ الزمانِ ثباتُ
قومٌ مضوا وتركوا للناسِ ما … تُحيي به الأرواحُ والعبراتُ
ما ضرَّ قبرًا أن يُزارَ مَحبَّةً … والقلبُ فيهِ مواعظٌ وعِظاتُ
إنَّ القبورَ مدارسٌ مفتوحةٌ … فيها تُجَدَّدُ للفؤادِ حياةُ
نأتي فنذكرُ أنَّ كلَّ ملوكةٍ … طوتِ الليالي عرشَها ومضاتُ
ونرى الغنيَّ وقد تساوى عندها … مع من أثقلَ كاهلَهُ العَوَزاتُ
هي حكمةُ الأيامِ تُلقي درسَها … وتذوبُ عند بيانِها الشُّبُهاتُ
ما كانَ قصدُ الزائرينَ لحجرِهِمْ … فالحجرُ لا تُرجى به البركاتُ
لكنْ لِمَن عمروا القلوبَ بمكرمةٍ … شهدتْ بفضلِ سعيِهِمْ ساحاتُ
كم من يتيمٍ مسحوا آلامَهُ … فغدتْ له من بعدِها بسماتُ
وكم انثنتْ كفُّ الأسى عن بائسٍ … لما أتتهُ من نداهم نفحاتُ
فالناسُ تحفظُ للأكارمِ عهدَهمْ … وتصونُ ما أبقتْ لهم حسناتُ
أمَّا الغلوُّ فليسَ مِنَّا منهجٌ … ولكلِّ فكرٍ زائفٍ آفاتُ
واللهُ ربُّ الخلقِ وحدَهُ الذي … بيديهِ تُقضى للورى الحاجاتُ
لكنَّ ذِكرَ الصالحينَ مروءةٌ … وبه تُصانُ المكرماتُ العالياتُ
لا تُنكروا أنَّ الرجالَ إذا مضوا … بقيتْ لهم بين الأنامِ صفاتُ
فالنهرُ يجري بعد غيبِ منابِعٍ … والنورُ تبقى بعدهُ المشكاةُ
والوردُ يفنى في الربيعِ وإنَّما … يبقى الشذى وتبقى الذكرياتُ
والبدرُ يغيبُ عن العيونِ وإنَّما … في القلبِ تبقى منه إشراقاتُ
والعلمُ يبقى بعد موتِ رجالِهِ … وتظلُّ تنبضُ حولَهُ الحلقاتُ
والشعرُ يبقى بعد موتِ قائلٍ … وتدورُ بين الناسِ أبياتُ
فإذا جرى ذِكرُ الكرامِ فإنَّما … تحيا على أيديهمُ اللغاتُ
وإذا وقفنا عند قبرِ مُحسنٍ … فالشكرُ بعضُ الوفاءِ لا سجداتُ
ما قيمةُ الإنسانِ بعد رحيلهِ؟ … أموالُهُ؟ أم جاهُهُ؟ أم ذاتُهُ؟
كَلَّا… ولكنْ ما أقامَ من الندى … وما استنارتْ باسمهِ الطرقاتُ
فالناسُ تمضي والجسومُ ترابُها … وتظلُّ بعد الراحلينَ سماتُ
وتعيشُ أعمارُ الرجالِ بأثرِهمْ … لا بالسنينِ تُقاسُ أو أوقاتُ
ويظلُّ ذِكرُ الصادقينَ منارةً … تهدي القلوبَ إذا دجتْ ظلماتُ
فالعمرُ ليسَ بعدِّ أيامِ الفتى … لكنْ بما تركتْ يداهُ ثباتُ
فاسألْ ضريحَ العظماءِ فإنَّهُ … أدرى بما صنعتْ بهم سنواتُ
ماتوا… فصاروا في القلوبِ منارةً … أمَّا الأحياءُ فكم بهم أمواتُ!
