هكذا تحاورنا..حين تناظر شعر الإسلام والرياضيات في فضاء اللايقين
حوار تخييلي مع شاعر الرسول ﷺ حسان بن ثابت
بقلم: أ. د. أحمد سلامة
(مؤسس المشروع العربي لأدب الرياضيات «الرياضيات الأدبية»)
• بين منبر الكلمة ومدارات الاحتمال
في زمن تتكاثر فيه الكلمات، وتضيق فيه المسافة بين القول وانتشاره، بدا لي أن السؤال عن مسؤولية الشاعر لم يعد أقل أهمية من السؤال عن صدق الباحث ودقة البرهان.
فالكلمة قد تهدي، وقد تضل، وقد تنصف مظلومًا، وقد تهدم سمعة بريء. والمعادلة، على صرامتها، قد تكشف جانبًا من الحقيقة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تزن نية قائل، أو رجفة قلب، أو أثر بيت من الشعر في نفوس الناس.
ومن هنا راودني سؤال:
هل يستطيع التفكير الرياضي، بما يحمله من منطق واحتمال وقياس، أن يدخل محراب الشعر الإسلامي من غير أن يحوّل الإيمان إلى أرقام؟ وهل يستطيع الشعر، بما يحمله من يقين وموقف ووجدان، أن يصغي إلى فلسفة اللايقين من غير أن يفقد وضوحه الأخلاقي؟
لم أبحث عن منطقة يتساوى فيها الحق والباطل، فليس اللايقين دعوة إلى محو الفروق، ولا الاحتمال إنكارًا للثوابت. كنت أبحث عن الحد الفاصل بين ثبات الحقيقة ونقص إدراك الإنسان لها؛ بين يقين المبدأ وتعدد زوايا النظر، وبين صدق الرسالة واحتمالات تلقيها.
وفي فضاء رمزي يتجاوز الزمن، رأيت منبرًا قائمًا في ساحة واسعة، وعلى جانبه ألواح كتبت سيدنا سيدنا علي ها أبيات من الشعر، وعلى الجانب الآخر دوائر ومعادلات وخطوط هندسية. كانت الحروف تتقاطع مع الأرقام، لكن أياً منها لم يلغ الآخر.
ثم رأيته مقبلًا في سكينة: حسان بن ثابت، شاعر الرسول ﷺ، يحمل في صوته مهابة الموقف، وفي عينيه يقظة من عرف أن الكلمة قد تكون حجة وسلاحًا وأمانة.
تقدم نحو المنبر، ثم نظر إلى المعادلات المرسومة أمامي وقال:
— أكلّ هذا لتعرف موضع كلمة من قلب؟
قلت:
— بل لأعرف كيف تستطيع الكلمة أن تغيّر قلوبًا كثيرة، من غير أن نستطيع حساب أثرها حسابًا كاملًا.
ابتسم وقال:
— إذن جئت تسأل عن الشعر، لا عن الأرقام.
أجبته:
— جئت أسأل عن المنطقة التي يلتقيان فيها.
وهكذا بدأ الحوار.
الحوار: بين بلاغة العقيدة وفلسفة التعدد
• المشهد الأول: أين ينتهي اليقين ويبدأ اللايقين؟
حسان:
تحدثني عن الاحتمال والحياد واللايقين، وأنا شاعر قمت بالكلمة دفاعًا عن حق لا أرتاب فيه. فكيف يجتمع يقين الرسالة مع منطق يترك الأبواب مفتوحة للنقيض؟
سلامة:
لا أضع العقيدة في ميزان الاحتمال، ولا أجعل الحق والباطل درجتين متساويتين. إنما أفرق بين الحقيقة في ذاتها، وبين قدرة الإنسان على الإحاطة بها.
قد يكون المبدأ ثابتًا، بينما يكون فهم البشر له متفاوتًا. وقد يكون الحق واضحًا، لكن الناس يختلفون في إدراك أبعاده، أو في تنزيله على الوقائع، أو في التعبير عنه.
حسان:
أتجعل اللايقين في الإنسان، لا في الحقيقة؟
سلامة:
نعم. فالحقيقة لا تضطرب لأن بصيرتنا قصرت عنها، كما أن الشمس لا تنطفئ حين تحجبها سحابة.
النيتروسوفيك، كما أفهمها في مجال الإنسان، لا تقول إن كل شيء مشكوك فيه، بل تعلمنا أن نميز بين ما نعلمه، وما ننفيه، وما لم يكتمل علمنا به.
حسان:
إذن فاليقين أمانة، لا ذريعة للغرور.
سلامة:
بالضبط. أخطر ما يواجه الإنسان ليس أن يوقن بالحق، بل أن يظن أن فهمه الشخصي قد صار هو الحق كله.
سكت حسان لحظة، ثم قال:
— ما أكثر من يرفع راية اليقين، وفي قلبه هوى لا يريد أن يراه.
• المشهد الثاني: الكلمة بين النصرة والعدوان
اقترب حسان من لوح كُتبت سيدنا سيدنا علي ه كلمات متقابلة:
دفاع — هجوم — عدل — انتقام.
حسان:
كانت الكلمة في زماننا موقفًا. هُوجم الحق، فكان لا بد أن يجيب عنه من يحسن البيان. ولم يكن الصمت دائمًا حكمة؛ فقد يكون الصمت خذلانًا.
سلامة:
لكن كيف يميز الشاعر بين الدفاع عن الحق والانتصار للنفس؟
حسان:
بالنية أولًا، وبالعدل ثانيًا. من قال لينصر حقًا فليس كمن قال ليشفي غيظًا. ومن رد على معتدٍ فليس كمن جعل الرد بابًا للبهتان.
سلامة:
وهل تكفي النية الحسنة إذا تجاوزت الكلمة حدود العدل؟
حسان:
لا. ربما أراد المرء خيرًا، فأفسد بجهله أكثر مما أصلح. الكلمة لا تُوزن بنيتها وحدها، بل بصدقها وموضعها وأثرها.
سلامة:
إذن لدينا ثلاثة أبعاد للحكم على القول: نية القائل، وحقيقة القول، وأثره في الناس.
حسان:
لكن لا تحوّلها إلى أرقام باردة.
سلامة:
لن أختزلها في أرقام، وإنما أستخدمها لكيلا نكتفي بسؤال واحد. فكثير من الناس يسألون: هل قصدت الخير؟ ولا يسألون: هل قلت الحق؟ وبعضهم يسأل: هل أثّرت كلمتي؟ ولا يسأل: أكان أثرها هداية أم فتنة؟
حسان:
أحسنت. فرب كلمة صحيحة أفسدها سوء المقام، ورب كلمة شديدة أوجبها عدل الموقف، ورب صمت بدا وقارًا وهو خوف.
• المشهد الثالث: هل تستطيع المعادلة أن تزن النية؟
رسمت دائرة صغيرة، وكتبت في مركزها: النية، ثم أحطتها بدوائر أخرى تمثل القول والفعل والنتيجة.
حسان:
أراك تريد أن تحاصر النية بالخطوط.
سلامة:
بل أريد أن أعترف بأننا لا نستطيع الوصول إليها مباشرة. في الرياضيات نرى المدخلات ونراقب النتائج، لكن نيات البشر لا تظهر كاملة في السلوك.
قد يفعل رجل خيرًا ابتغاء الثناء، وقد يصمت آخر رحمةً فيُتهم بالضعف، وقد يتكلم ثالث دفاعًا عن الحق فتختلط بكلامه حظوظ النفس.
حسان:
القلوب لا يعلم سرائرها إلا خالقها.
سلامة:
ولهذا يجب ألا نزعم امتلاك الحكم الكامل على الأشخاص. نستطيع تقويم الأقوال والأفعال، لكننا نظل محدودين في معرفة السرائر.
حسان:
وهذا لا يعني ترك الأفعال بلا حساب.
سلامة:
بالتأكيد. هناك فرق بين التواضع في الحكم على الباطن، والتساهل في الحكم على الظلم الظاهر.
يمكن أن نقول: هذا القول باطل، أو هذا الفعل جائر، من غير أن ندعي أننا أحطنا بكل حقيقة صاحبه.
حسان:
كأنك تقول: احكم على الفعل بما ظهر، واترك باب القلب لمن خلقه.
سلامة:
نعم. وهذا من الإنصاف الذي تحتاجه المعرفة كما يحتاجه الأدب.
• المشهد الرابع: الشعر والبرهان
تناول حسان ورقة كُتب سيدنا سيدنا علي ها برهان هندسي، وتأمل خطوطه المتتابعة.
حسان:
أنتم لا تقبلون نتيجة بلا مقدمات.
سلامة:
ولا ينبغي للشاعر أن يطلب من الناس أن يصدقوا مدحًا أو هجاءً بلا حجة أخلاقية.
حسان:
لكن الشعر ليس تقريرًا قضائيًا. إنه صورة وإيقاع وانفعال.
سلامة:
صحيح، لكنه حين يتصل بأعراض الناس وسمعتهم يصبح مسؤولًا عن صدقه. الجمال لا يعفي الكلمة من الأمانة.
حسان:
وقد يكون البيت البليغ أشد خطرًا من الخبر المجرد؛ لأنه يثبت في الذاكرة، ويتناقله الناس.
سلامة:
وهنا يلتقي الشعر بالبرهان من جهة المسؤولية، وإن اختلف عنه في الطريقة. البرهان يقنع العقل بتتابع الحجج، والشعر قد يقنع الوجدان بالصورة والإيقاع.
حسان:
لكن الوجدان قد يسبق العقل إلى التصديق.
سلامة:
ولهذا كانت بلاغة الشاعر قوة تحتاج إلى ضمير. كلما ازدادت قدرة الكلمة على التأثير، ازدادت مسؤولية قائلها.
قال حسان في هدوء:
— السيف يجرح جسدًا، أما البيت فقد يبقى جرحه في قبيلة أجيالًا.
• المشهد الخامس: هندسة القصيدة
رسمت شطرين متوازيين، ثم وضعت بينهما علامات الإيقاع.
سلامة:
تبدو القصيدة للسامع تدفقًا وجدانيًا، لكنها تقوم على بناء دقيق: وزن، وقافية، وتناسب، وتكرار، وانحراف محسوب عن المتوقع.
أليست هذه هندسة من نوع آخر؟
حسان:
للشعر ميزانه، لكن الوزن وحده لا يصنع شاعرًا. قد يستقيم الكلام على البحر، ولا روح فيه.
سلامة:
كما قد تكون المعادلة صحيحة، لكنها لا تكشف شيئًا مهمًا.
حسان:
إذن البناء شرط، لا غاية.
سلامة:
نعم. القيود لا تقتل الإبداع دائمًا؛ أحيانًا تمنحه شكله. فالقافية تضيق الخيارات، لكنها تدفع الشاعر إلى اكتشاف تعبير لم يكن ليصل إليه في الكلام المرسل.
حسان:
وهذا يشبه ما تقولونه عن المسألة ذات الشروط.
سلامة:
تمامًا. كل شرط يحد الإمكانات، لكنه قد يفتح داخلها بنية أكثر جمالًا.
حسان:
غير أن الشاعر لا يعد المقاطع وهو في ذروة الشعور.
سلامة:
قد لا يحسبها بوعي مباشر، لكنه يمتلك ميزانًا داخليًا تكون بالممارسة. كما يحل الرياضي المتمرس بعض المسائل بحدس يسبق خطوات البرهان.
حسان:
إذن للشعر حدس، وللرياضيات حدس، ثم تأتي الصنعة لتثبت ما أدركه القلب أو العقل أولًا.
• المشهد السادس: المديح بين المحبة والمبالغة
قال حسان:
حسان:
ومن الأبيات المشهورة المنسوبة إليّ في المحبة والمديح:
وأحسن منك لم تر قط عيني
وأجمل منك لم تلد النساء
كيف يقرأ الرياضي مثل هذا القول؟ أيسأل عن المقارنة والإحصاء؟
ابتسمت وقلت:
سلامة:
لو قرأه قراءة حسابية ضيقة لأفسده. فالشاعر هنا لا يقدم مسحًا لكل الوجوه، بل يعبر عن امتلاء الوجدان حتى يصبح المحبوب في الشعور خارج المقارنة.
حسان:
إذن الشعر يملك صدقًا غير الصدق الحرفي؟
سلامة:
له صدق وجداني وبلاغي، لكنه لا يعني الكذب. المجاز لا ينقل الواقع كما تلتقطه العين، بل ينقل أثره كما يعيشه القلب.
حسان:
وهل يستطيع منطقك أن يميز بين المجاز والتضليل؟
سلامة:
نعم، بالنظر إلى السياق والقصد وتوقع المتلقي. حين يعرف السامع أنه أمام مديح شعري، يفهم أن اللغة تتجاوز القياس الحرفي. أما حين تُستخدم المبالغة لإيهامه بواقعة كاذبة، تتحول البلاغة إلى تضليل.
حسان:
فالفارق ليس في الصورة وحدها، بل في الأمانة التي تحكمها.
سلامة:
وفي العقد الضمني بين القائل والسامع. القصيدة تقول: سأريك الحقيقة كما شعرت بها، لا كما تسجلها الوثائق.
• المشهد السابع: اختلاف التلقي
تحركت الكلمات في الفضاء من حولنا، ووصل البيت نفسه إلى جماعات مختلفة، فتبدلت وجوههم بين التأثر والرفض والحيرة.
حسان:
كيف يسمع الناس البيت الواحد على وجوه متعددة؟
سلامة:
لأن المتلقي لا يأتي إلى النص فارغًا. يدخل إليه بعقيدته وذاكرته وثقافته وموقفه من القائل.
قد يسمع المؤمن في البيت نصرة، ويسمع الخصم تحديًا، ويسمع المؤرخ شاهدًا على عصر، ويسمع الناقد بناءً بلاغيًا.
حسان:
وهل يعني تعدد التلقي أن النص لا يملك معنى؟
سلامة:
لا. للنص بنية وحدود، لكنه يفتح أكثر من طريق داخلها. ليست كل القراءات صحيحة، وليست قراءة واحدة قادرة على استنفاد النص كله.
حسان:
وكيف نميز القراءة المقبولة من المتعسفة؟
سلامة:
بمدى اتصالها باللغة والسياق والدليل. القارئ حر في التأويل، لكنه ليس حرًا في أن ينسب إلى النص ما يناقض ألفاظه ومقامه.
حسان:
إذن الاحتمال منضبط، لا فوضى.
سلامة:
وهذه نقطة جوهرية. الاعتراف بتعدد الفهم لا يعني أن جميع الأفهام متساوية.
• المشهد الثامن: الرواية والتناقل وذاكرة الزمن
رأيت أبياتًا تنتقل من فم إلى فم، ثم من مخطوط إلى مخطوط، وظهر في بعضها اختلاف يسير.
سلامة:
حين تنتقل القصيدة عبر الأزمنة، قد تختلف الروايات في لفظ أو نسبة. كيف ننظر إلى هذا الأمر؟
حسان:
الناس أمناء متفاوتون، والذاكرة تصيب وتخطئ. وما قيل في مجلس قد يروى بعد أعوام بلفظ آخر.
سلامة:
وهنا تظهر أهمية التثبت. فمحبة النص لا تكفي لإثبات نسبته، وشهرته لا تجعله صحيحًا بالضرورة.
حسان:
أراك تريد من الأدب إسنادًا كإسناد الأخبار.
سلامة:
أريد له أمانة علمية تناسب طبيعته. حين نجزم بنسبة قول إلى شاعر، ينبغي أن نملك ما يدعم الجزم. وإذا لم يثبت، قلنا: «منسوب إليه» أو «مما اشتهر على الألسنة».
حسان:
وهذا من العدل؛ فلا يحمل الرجل ما لم يقله، مدحًا كان أو ذمًا.
سلامة:
واللايقين هنا فضيلة معرفية. أن تقول «لا أعلم على وجه القطع» خير من يقين مصنوع.
قال حسان:
— ليت الناس يعلمون أن التثبت لا يضعف محبتهم، بل يحميها من الوهم.
• المشهد التاسع: متى يتحول اليقين إلى قسوة؟
اشتد الضوء فوق المنبر، بينما بقيت أطراف الساحة في الظل.
حسان:
لقد حذرت من يقين الإنسان حين يظن أنه امتلك الحقيقة كلها. ولكن أليس التردد الدائم ضعفًا يضيع به الموقف؟
سلامة:
بلى. ليس المطلوب أن يعيش الإنسان مترددًا في كل شيء. هناك مواقف تحتاج إلى حسم، وثوابت لا يستقيم العمل من غيرها.
لكن الحسم لا يبيح الظلم، واليقين لا يعفي من مراجعة النفس.
حسان:
وكيف يجتمع ثبات المبدأ مع مراجعة الذات؟
سلامة:
بأن يسأل الإنسان نفسه: هل أدافع عن الحق حقًا، أم أدافع عن صورتي؟ هل شدتي لازمة للموقف، أم أنها ثمرة غضب؟ هل فهمت كلام خصمي كما أراده، أم كما يسهل سيدنا سيدنا علي مهاجمته؟
حسان:
فالمراجعة ليست شكًا في الحق، بل شكًا في سلامة النفس وهي تدعي الدفاع عنه.
سلامة:
هذا هو المقصود. قد يكون المبدأ نقيًا، لكن اليد التي تحمله ليست معصومة من الهوى.
حسان:
ومن لم يراقب نفسه وهو ينصر الحق، ربما ظلم باسمه.
• المشهد العاشر: الشعر في زمن السرعة
تحولت المخطوطات من حولنا إلى شاشات مضيئة، وصارت الكلمات تنتشر في لحظات إلى آلاف الناس.
نظر حسان في دهشة وقال:
حسان:
ما أسرع هذه الكلمات! كأن البيت يطوف الآفاق قبل أن يراجع قائله نفسه.
سلامة:
وهذا هو خطر عصرنا. كانت القصيدة قديمًا تحتاج إلى راوٍ ومجلس وزمن، أما اليوم فقد تنتشر الكلمة قبل أن يهدأ غضب صاحبها.
حسان:
وهل يملك قائلها أن يستردها؟
سلامة:
نادراً. قد يحذفها، لكن صورها ونسخها تبقى. لذلك أصبح الصمت لحظةً قبل النشر نوعًا من الحكمة.
حسان:
إذن يحتاج شاعر اليوم إلى شجاعة القول، وإلى شجاعة الامتناع عنه أيضًا.
سلامة:
نعم. فالقدرة على النشر ليست دليلًا على وجوب النشر. والكلمة التي تثير الناس ليست بالضرورة كلمة نافعة.
حسان:
وما معيارها؟
سلامة:
نسأل: هل هي صادقة؟ هل هي عادلة؟ هل تخدم معنى يستحق؟ ما الضرر المتوقع منها؟ وهل كان يمكن قول الحق بطريقة لا تهدر كرامة إنسان؟
حسان:
لقد جعلت للكلمة قبل خروجها محكمة.
سلامة:
بل ميزانًا؛ لأن المحاكم تأتي غالبًا بعد وقوع الضرر.
• المشهد الحادي عشر: هل الشعر الإسلامي موعظة فقط؟
حسان:
يظن بعض الناس أن الشعر المتصل بالإيمان لا يكون إلا أمرًا ونهيًا وموعظة مباشرة.
سلامة:
وهذا يضيق بالشعر وبالإيمان معًا. فالشعر الإسلامي لا تقتصر مهمته على تكرار الأحكام، بل يستطيع أن يكشف جمال الخلق، وضعف الإنسان، وصراعه مع نفسه، وشوقه، وتوبته، وخوفه ورجاءه.
حسان:
فليس كل معنى صالح للقصيدة إذا قيل خطابًا مباشرًا.
سلامة:
نعم. الشعر لا يكرر الفكرة، بل يجسدها. لا يقول فقط إن الرحمة جميلة، بل يجعل القارئ يشعر بحاجته إليها. ولا يقرر أن الغرور مهلك، بل يرينا إنسانًا يهدم نفسه وهو يظن أنه ينتصر.
حسان:
والصورة قد تبلغ القلب قبل الأمر.
سلامة:
كما أن القصة قد تغير السلوك أكثر من تسيدنا سيدنا علي مات مجردة. أدب الرياضيات نفسه لا يعني أن نضع معادلات في كل قصيدة، بل أن نكشف النظام والتناسب والتحول والاحتمال في التجربة الإنسانية.
حسان:
فالعلم لا يدخل الشعر بملابسه الثقيلة، بل يدخل فيه معنى.
• المشهد الثاني عشر: هل للرحمة موضع في القصيدة الحاسمة؟
حسان:
إذا قام الشعر للدفاع عن الحق، أفلا تضعف الرحمة حدته؟
سلامة:
الرحمة لا تعني مهادنة الباطل، بل تمنعنا من التشبه به. تستطيع أن تكون حاسمًا من غير افتراء، وقويًا من غير تشفٍّ، وصريحًا من غير إهدار لكرامة الإنسان.
حسان:
لكن بعض المواقف لا ينفع معها اللين.
سلامة:
صحيح. الحكمة ليست لينًا دائمًا، كما أنها ليست شدة دائمة. الحكمة أن تكون الكلمة على قدر الموقف، لا على قدر غضب القائل.
حسان:
إذن الرحمة تضبط القوة، ولا تلغيها.
سلامة:
والعدل يضبط المديح كما يضبط الهجاء. فقد يفسد الشاعر بالمبالغة في تمجيد شخص كما يفسد بالافتراء على آخر.
حسان:
ما أصعب أن يحفظ الشاعر ميزانه حين تصفق له الجماهير.
سلامة:
فالتصفيق متغير مضلل. قد يدل على جودة القول، وقد يدل على موافقته لهوى السامعين.
• المشهد الأخير: حين صافحت الكلمةُ العددَ
بدأت الساحة الرمزية تتغير. انحنت الخطوط الهندسية نحو المنبر، وتفرقت أبيات الشعر بين الدوائر، حتى ظهر رسم يشبه ميزانًا: في إحدى كفتيه قلم، وفي الأخرى فرجار.
قال حسان:
حسان:
كنت أظن أنك جئت لتجعل اليقين احتمالًا.
سلامة:
وجئت فتعلمت أن الثبات لا يناقض التواضع، وأن الكلمة قد تكون يقينية في موقفها، واعيةً في الوقت نفسه بحدود صاحبها.
حسان:
وكنت أظن الرياضيات أرضًا لا تنبت فيها العاطفة، فإذا بها تعلم صاحبها ألا يدعي ما لا يملك سيدنا سيدنا علي ه برهانًا.
سلامة:
وكنت أظن الشعر اندفاعًا، فإذا به بناء وميزان ومسؤولية.
نظر حسان إلى القلم والفرجار وقال:
— ما الذي يجمعهما؟
قلت:
— كلاهما يرسم حدودًا؛ لكن القلم يمنحها صوتًا، والفرجار يمنحها اتساقًا.
قال:
— وماذا يبقى إذا اختلفا؟
أجبته:
— يبقى الإنسان محتاجًا إليهما معًا؛ إلى كلمة تهدي قلبه، وعقل يحميه من الوهم.
اتجه حسان إلى المنبر، ثم توقف قبل أن يصعد وقال:
— لا تجعلوا اللايقين بابًا لتمييع الحق.
قلت:
— ولا تجعلوا اليقين ستارًا يمنع مراجعة النفس.
ابتسم، ثم رفع بصره إلى الأبيات المعلقة في الفضاء وقال:
— إذن اتفقنا: الحقيقة ثابتة، لكن الإنسان يتعلم الاقتراب منها.
ثم اختفى صوته شيئًا فشيئًا، وبقي على المنبر بيت لم أعرف قائله:
ليست قوة الكلمة في ارتفاع صوتها، بل في مقدار ما تحمله من حق وعدل ورحمة.
• حين اجتمع ثبات المبدأ بتواضع المعرفة
لم يكن هذا الحوار المتخيل محاولة لإخضاع شعر الإسلام لمنطق الاحتمال، ولا لوضع الإيمان داخل معادلة. كان بحثًا عن التمييز بين يقين الحقيقة ومحدودية الإنسان في فهمها وتمثيلها والدفاع عنها.
فالثوابت لا تصبح نسبية لأن البشر يختلفون في إدراكها، كما أن اختلاف زوايا النظر لا يجعل جميع الأحكام متساوية. غير أن الاعتراف باللايقين في معرفتنا البشرية يحمينا من التعصب للرأي، ويعلمنا التثبت قبل الجزم، والإنصاف قبل الإدانة، ومراجعة النفس قبل ادعاء تمثيل الحق.
وقد كشف الحوار أن الشعر الإسلامي ليس خطابًا جامدًا ولا موعظة موزونة، بل تجربة جمالية وأخلاقية تجمع بين صدق الموقف وجمال التعبير. إنه قادر على الدفاع دون افتراء، والمدح دون تقديس للبشر، والنقد دون امتهان، والحسم دون قسوة.
أما الرياضيات، فلا تأتي إلى الشعر لتقيس مقدار الإيمان أو تحول الوجدان إلى أعداد، بل لتكشف ما في القصيدة من نظام وتناسب وبناء، وما في أثرها من احتمالات متعددة، وما في انتقالها عبر الزمن من درجات للثبوت والاختلاف.
وهكذا انتهى حواري مع حسان بن ثابت، لا بانتصار الشعر على الرياضيات، ولا بانتصار البرهان على البلاغة، بل باتفاق عميق:
أن الكلمة تحتاج إلى حقيقة تهديها، وإلى عقل يراجعها، وإلى عدل يضبطها، وإلى رحمة تحميها من أن تتحول، وهي تدافع عن النور، إلى أداة جديدة للظلام.
