من باب المندب إلى طهران: هل بدأت لعبة «الإيقاع» الأمريكي–الإسرائيلي لإعادة تشكيل الشرق الأوسط؟
(دراسة تحليلية استشرافية)

بقلم: د/ رمضان بلال
في المخا… حيث يلتقي الرمل بالبحر، لا تبدو الحرب دائماً كما تبدو على شاشات الأخبار.
هناك، لا تبدأ الحكاية من البيت الأبيض، ولا من تل أبيب، ولا حتى من طهران.
تبدأ من صوت انفجار بعيد…
من طائرة مسيّرة تشق السماء…
من سفينة تجارية تتباطأ في البحر، وقبطان ينظر إلى خريطة باب المندب طويلاً قبل أن يسأل نفسه:
هل نعبر… أم نعود؟
وهنا تحديداً تبدأ الحكاية الحقيقية.
فالمخا ليست مجرد مدينة يمنية على الساحل الغربي، وليست مجرد نقطة عسكرية تتنازعها الأطراف المتحاربة.
إنها واحدة من تلك النقاط الصغيرة على الخريطة التي تبدو هامشية لمن ينظر إليها سريعاً، لكنها تصبح فجأة قادرة على تحريك أسعار الطاقة، ورفع تكلفة التأمين، وإرباك خطوط الملاحة، وإعادة ترتيب الحسابات العسكرية والسياسية في عواصم بعيدة عنها آلاف الكيلومترات.
ولهذا، عندما عادت المخا إلى واجهة الأحداث مع تجدد الهجمات الحوثية، لم يكن السؤال الحقيقي:
ماذا حدث في المخا؟
بل:
لماذا المخا الآن؟
المخا… المدينة التي تختبئ خلفها معركة أكبر
في الحرب، هناك فرق بين أن تضرب هدفاً…
وأن تضرب وظيفته الاستراتيجية.
فمن يضغط على المخا لا يضغط على مدينة فقط.
إنه يضغط على الساحل الغربي.
ومن يضغط على الساحل الغربي يقترب من معادلة باب المندب.
ومن يقترب من باب المندب فإنه لا يوجه رسالته إلى اليمن وحدها، وإنما يضع أمام السعودية، والقوى الإقليمية، وشركات الملاحة، وأسواق الطاقة، وواشنطن وتل أبيب، سؤالاً واحداً:
من يملك القدرة على التحكم في هذه البوابة البحرية؟
ولهذا فإن معركة المخا، إذا استمرت في التصاعد، قد تتجاوز حدودها الجغرافية بكثير.
فالمعركة هنا ليست فقط على الأرض.
إنها على الردع، والملاحة، والاقتصاد، ورسائل القوة.
والمثير أن المخا نفسها بدأت تتحول خلال السنوات الأخيرة إلى نقطة ذات أهمية لوجستية واستراتيجية أكبر على الساحل الغربي، وهو ما يجعل أي صراع حولها أكثر من مجرد مواجهة عسكرية محلية.
وهنا يصبح السؤال أكثر إثارة:
هل يريد الحوثيون السيطرة على المخا؟ أم يريدون فقط منع خصومهم من تحويلها إلى منصة جديدة للضغط عليهم؟
قد يكون الجواب في مكان ما بين الاثنين.
حين يتحول البحر إلى سلاح
لطالما كان البحر الأحمر ممراً للتجارة.
لكن البحر في زمن الحرب يتحول إلى شيء آخر:
ورقة ضغط.
والحوثيون أدركوا هذه الحقيقة مبكراً.
فهم لا يحتاجون بالضرورة إلى إغلاق باب المندب بالكامل حتى يحققوا أثراً استراتيجياً.
يكفي أن يجعلوا المرور فيه محفوفاً بالخطر.
السفينة التي تخاف لا تحتاج إلى أن تُضرب.
وشركة التأمين التي ترفع أسعارها لا تحتاج إلى أن ترى الصاروخ.
وشركة الملاحة التي تغير طريقها لا تحتاج إلى أن تغرق سفينة واحدة.
يكفيها أن ترى الخريطة…
وأن ترى علامات الخطر تقترب من أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وهكذا تتحول الطائرة المسيّرة إلى أداة اقتصادية.
ويتحول الصاروخ إلى رسالة مالية.
وتتحول الجغرافيا اليمنية إلى ورقة تفاوض تتجاوز بكثير حجم اليمن نفسه.
وهنا تصبح المعادلة بسيطة في ظاهرها، خطيرة في جوهرها:
كلما ارتفع الخطر في البحر، ارتفعت تكلفة الملاحة؛ وكلما ارتفعت التكلفة، أصبح الصراع اليمني جزءاً من فاتورة الاقتصاد العالمي.
ثم جاءت الرسالة إلى العمق السعودي
لكن القصة لا تتوقف عند البحر.
فالرواية التي يعرضها الفيديو تتحدث عن انتقال الضغط إلى العمق السعودي، بما في ذلك الحديث عن استهداف منشآت مرتبطة بالطاقة في جازان، وتقارير عن انفجارات أو تهديدات في مناطق اقتصادية حساسة.
وهنا يجب أن نضع فاصلاً مهماً بين ما هو مؤكد وما يرد في التقارير أو المقاطع المتداولة.
لكن حتى إذا تركنا التفاصيل جانباً، فإن الفكرة الاستراتيجية تستحق التأمل:
ماذا لو أصبح الهدف هو الاقتصاد لا الميدان فقط؟
لأن ضرب قاعدة عسكرية يحقق أثراً عسكرياً.
أما تهديد منشأة طاقة أو ميناء أو طريق تجاري، فإنه يضرب شيئاً أكثر حساسية:
الثقة.
والثقة في الاقتصاد لا تُقاس بعدد الصواريخ التي تم اعتراضها، وإنما بسؤال المستثمر والسفينة وشركة التأمين:
هل المكان آمن؟
وهنا تصبح الحرب أكثر تعقيداً.
فالجيش يستطيع حماية موقع.
لكن حماية الثقة في استقرار منظومة اقتصادية كاملة مهمة أصعب بكثير.
واللافت أن هذا التصعيد جاء في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، بعد توقيع السعودية وتركيا وباكستان اتفاق دفاع مشترك في مكة.
ومن هنا ظهر سؤال لا يمكن للمراقب الاستراتيجي تجاهله:
هل نحن أمام مجرد تزامن في الأحداث؟ أم أن الأطراف المختلفة بدأت تختبر حدود النظام الأمني الإقليمي الجديد؟
لا توجد لدينا أدلة قاطعة تسمح بالجزم بالاحتمال الثاني.
لكن في السياسة الدولية، أحياناً تكون طريقة توقيت الرسالة جزءاً من الرسالة نفسها.
مكة… عندما بدأت المنطقة تبحث عن مظلة أخرى
في مكة، لم يكن التوقيع السعودي–التركي–الباكستاني مجرد صورة بروتوكولية.
السعودية تبحث عن حماية أوسع.
تركيا تريد دوراً أكبر في هندسة أمن المنطقة.
وباكستان تملك ثقلاً عسكرياً واستراتيجياً لا يمكن تجاهله.
والثلاثة معاً يرسلون إشارة بالغة الأهمية:
الأمن الإقليمي لن يبقى بالضرورة رهناً بمركز قرار واحد خارج المنطقة.
وهذه ليست بالضرورة رسالة ضد الولايات المتحدة.
بل ربما تكون رسالة إلى الجميع:
المنطقة تريد امتلاك أوراقها بنفسها.
وهنا تصبح الاتفاقات الدفاعية الجديدة جزءاً من ظاهرة أكبر:
إعادة توزيع القوة.
فبعد عقود كان فيها الأمن الإقليمي مرتبطاً بصورة كبيرة بالمظلة الأمريكية، بدأت قوى المنطقة تبحث عن شبكات ردع متعددة.
والمثير أن إيران سارعت إلى التقليل من أهمية الاتفاق وعدم إظهار خوفها منه.
لكن السياسة أحياناً تقول شيئاً بلسانها…
وتفعل شيئاً آخر بحساباتها.
لأن وجود شبكة دفاع جديدة حول السعودية يغيّر حتماً حسابات الخصوم والحلفاء معاً.
واشنطن… لا تريد أن تخسر الحرب ولا أن تدفع ثمنها كاملاً
وهنا ندخل إلى الجزء الأكثر غموضاً في القصة.
واشنطن.
فالسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط ليست دائماً سياسة الضربة القاضية.
أحياناً تكون سياسة الإيقاع.
ضربة…
ثم هدنة.
ضغط…
ثم تفاوض.
تهديد…
ثم نافذة خلفية للاتفاق.
ثم عودة إلى الضغط إذا لم تحقق المفاوضات النتائج المطلوبة.
ومن هنا ربما يكون مصطلح «الإيقاع الأمريكي» أكثر دقة من الحديث عن «خطة أمريكية واحدة».
لأن واشنطن لا تريد ــ بالضرورة ــ حرباً طويلة ومكلفة لا تعرف كيف تنتهي.
لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تخرج إيران من المواجهة وهي أقوى مما كانت عليه.
وهنا تظهر المعادلة الأمريكية الصعبة:
إضعاف إيران دون احتلالها.
تقييد قدراتها دون إشعال المنطقة كلها.
دفعها إلى التفاوض دون منحها انتصاراً مجانياً.
وفي الوقت ذاته:
حماية إسرائيل دون السماح بأن تتحول الحرب إلى مستنقع أمريكي جديد.
ولهذا يمكن قراءة الإيقاع الأمريكي على النحو التالي:
ارفع الضغط حتى يشعر الخصم بالألم… ثم افتح باب التفاوض قبل أن يصبح الألم حرباً لا يمكن السيطرة عليها.
إنها لعبة دقيقة.
لكن المشكلة في كل لعبة أن أحد اللاعبين قد يقرر فجأة تغيير قواعدها.
تل أبيب… اللاعب الذي لا يحب أن يترك الإيقاع لغيره
وهنا تدخل إسرائيل.
إسرائيل لا تنظر إلى المسألة بالطريقة نفسها التي تنظر بها واشنطن.
واشنطن تسأل:
كم ستكلف الحرب؟ وكيف تنتهي؟
أما إسرائيل فتسأل:
ماذا سيبقى من قدرة إيران بعد انتهاء الحرب؟
وهذا اختلاف جوهري.
قد ترى واشنطن أن الوقت مناسب للتهدئة.
وقد ترى تل أبيب أن التهدئة الآن تعني منح إيران فرصة لإعادة ترتيب أوراقها.
وقد ترى واشنطن في الاتفاق وسيلة لإغلاق الأزمة.
بينما قد ترى إسرائيل فيه مجرد هدنة مؤقتة قبل جولة أخرى.
ولهذا فإن العلاقة الأمريكية–الإسرائيلية ليست ببساطة علاقة:
أمريكا تأمر وإسرائيل تنفذ.
وليست أيضاً:
إسرائيل تقرر وأمريكا تتبع.
إنها شبكة معقدة من المصالح والضغوط والحسابات.
لكن شيئاً واحداً يبقى واضحاً:
إسرائيل لا تريد أن تخرج إيران من هذه المرحلة محتفظة بقدرة استراتيجية تستطيع من خلالها إعادة بناء التهديد من جديد.
وهنا يصبح السؤال:
ماذا يحدث إذا أرادت واشنطن التفاوض، بينما أرادت إسرائيل أولاً إزالة ما تعتبره خطراً وجودياً؟
بين هذين الإيقاعين…
قد تولد الأزمة القادمة.
طهران… حين تسمع الموسيقى فتغير العازف
ثم تأتي إيران.
الدولة التي اعتادت أن تلعب على الزمن.
وتستخدم الجغرافيا.
وتحرك الأوراق الإقليمية.
وتفاوض عندما يصبح التفاوض مفيداً.
وتصعّد عندما يصبح التصعيد أكثر فائدة.
وفي 10 أغسطس، جاء تعيين محسن رضائي أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني ليضيف بعداً جديداً إلى المشهد.
رضائي ليس موظفاً بيروقراطياً عادياً.
إنه قائد سابق للحرس الثوري وشخصية عسكرية وسياسية ثقيلة الوزن.
ومن ثم فإن اختياره في هذه اللحظة يبعث بإشارة لا ينبغي تجاهلها:
طهران تستعد لمرحلة تحتاج فيها إلى عقل أمني–عسكري شديد الخبرة.
لكن هذا لا يعني بالضرورة أن الحرب الشاملة قادمة.
وربما تكون الرسالة أكثر دهاءً:
نحن مستعدون للحرب، ولذلك نستطيع التفاوض.
إيران تعرف أن لديها أوراقاً.
هرمز.
اليمن.
شبكات النفوذ الإقليمية.
القدرة الصاروخية.
والقدرة على رفع تكلفة أي مواجهة معها.
ولهذا قد تدخل المفاوضات لا لأنها استسلمت…
بل لأنها تريد أن تدخلها وهي تحمل أكبر عدد ممكن من الأوراق.
باب المندب وهرمز… مضيقان قد يكتبان قصة واحدة
وهنا نصل إلى أخطر نقطة في المشهد كله.
باب المندب من جهة… وهرمز من جهة أخرى.
مضيقان.
بحران.
لكن اقتصاد عالمي واحد.
إذا أصبح باب المندب تحت ضغط مستمر، فإن قناة السويس تتلقى الضربة بصورة غير مباشرة.
وإذا بقي هرمز مضطرباً، فإن أسواق الطاقة تتلقى الضربة بصورة مباشرة.
وإذا اجتمع الضغط على المضيقين في لحظة واحدة…
فإن المسألة لا تعود حرباً في الشرق الأوسط.
بل تصبح أزمة للاقتصاد العالمي.
وهنا تحديداً تكمن أهمية مصر.
لأن من ينظر إلى باب المندب دون أن يرى قناة السويس…
يفوّت نصف الصورة.
ومن ينظر إلى هرمز دون أن يرى البحر الأحمر…
لا يرى الخريطة كاملة.
اليمن… ليس مجرد بند في الملف الإيراني
ومن الخطأ أن نختصر الحوثيين في عبارة:
«ذراع إيرانية».
نعم، العلاقة مع إيران مهمة.
ونعم، الدعم الإيراني للحوثيين عنصر رئيسي في فهم قدراتهم.
لكن الحوثيين أيضاً يمتلكون حساباتهم المحلية، ومشروعهم السياسي، وقراءتهم الخاصة للحرب.
وهذا تحديداً ما يجعلهم أكثر خطورة من مجرد أداة يمكن الضغط على طهران لتوقفها بضغطة زر.
فالفاعل المحلي عندما يمتلك الجغرافيا…
والسلاح…
والدافع…
يمكن أن يتحول إلى لاعب إقليمي.
وهكذا تصبح اليمن واحدة من أهم قطع الشطرنج في اللعبة الأكبر.
إذا ضغطت واشنطن على طهران…
قد تتحرك ورقة في اليمن.
وإذا أرادت الرياض حماية عمقها…
قد يأتي الضغط من الساحل.
وإذا أرادت إسرائيل تحييد إيران…
قد تتعدد الجبهات.
وهكذا يتحول الشرق الأوسط إلى ساعة ضخمة ذات تروس متشابكة:
تحرك ترساً في صنعاء…
فتسمع الرياض صوته.
تحرك ترساً في طهران…
فتستيقظ تل أبيب.
ترتفع حرارة البحر الأحمر…
فيصل صداها إلى القاهرة.
مصر… الدولة التي لا تستطيع أن تكون خارج القصة
وهنا يجب أن نتوقف.
اللهم احفظ مصر.
فمصر ليست مراقباً بعيداً عن هذه الأحداث.
مصر في قلبها.
البحر الأحمر بالنسبة إلى مصر ليس مجرد مياه.
إنه بوابة الجنوب.
وباب المندب ليس مضيقاً بعيداً في كتب الجغرافيا.
إنه أحد المفاتيح التي تقود إلى قناة السويس.
وقناة السويس ليست مجرد ممر مائي.
إنها واحدة من أهم أوراق القوة الجيوسياسية والاقتصادية المصرية.
ولهذا فإن مصر لا تحتاج إلى دخول كل حرب حتى تكون حاضرة فيها.
أحياناً تكون القوة الحقيقية في معرفة:
متى تتحدث؟
ومتى تصمت؟
ومتى تتوسط؟
ومتى تضع حدوداً واضحة لا تسمح لأحد بتجاوزها؟
وفي اللحظة التي تتسع فيها دائرة النار من اليمن إلى البحر الأحمر، ومن البحر الأحمر إلى الخليج، تصبح القاهرة أمام مهمة دقيقة:
حماية الأمن القومي المصري…
حماية الملاحة…
الحفاظ على قناة السويس…
دعم استقرار المنطقة…
وعدم السماح بتحويل البحر الأحمر إلى ساحة حرب مفتوحة.
نسأل الله أن يحفظ مصر وأهلها وجيشها، وأن يحمي حدودها وأمنها، وأن يمنح قيادتها الحكمة والبصيرة، وأن يجعل أرض الكنانة دائماً واحة أمن واستقرار وسلام، وأن يجنبها شر الفتن والحروب.
فمصر ليست جزيرة في هذه الخريطة… لكنها أيضاً ليست مضطرة إلى أن تكون وقوداً لها.
ثلاثة أبواب للمستقبل… وأحدها قد يفتح فجأة
لا أحد يستطيع أن يكتب المستقبل بالحبر.
لكن يمكن قراءة اتجاه الريح.
وأمام المنطقة الآن ثلاثة مسارات تبدو أكثر وضوحاً من غيرها.
الأول: صفقة كبرى
ضغط أمريكي…
مقاومة إيرانية…
وساطات إقليمية…
تفاوض طويل…
ثم تسوية تفتح الطريق أمام تهدئة في هرمز والبحر الأحمر.
إذا حدث ذلك، فقد نشهد إعادة صياغة للتوازن الإقليمي من خلال اتفاق أكبر من مجرد وقف إطلاق النار.
الثاني: حرب الظلال
لا حرب شاملة…
ولا سلام.
ضربات محسوبة.
طائرات مسيّرة.
هجمات بحرية.
ضغط على منشآت الطاقة.
عمليات سيبرانية.
اغتيالات.
عقوبات.
ثم مفاوضات خلف الأبواب.
وهذا السيناريو قد يكون الأكثر استمراراً؛ لأنه يسمح لكل طرف بالقتال دون أن يضطر إلى إعلان حرب شاملة.
الثالث: خطأ واحد
وهذا هو السيناريو الذي ينبغي أن يخشاه الجميع.
سفينة تُغرق.
منشأة استراتيجية تُصاب.
صاروخ يحصد أعداداً كبيرة من المدنيين.
قاعدة عسكرية تتعرض لخسائر ضخمة.
ثم يأتي الرد…
ثم الرد على الرد…
وفجأة، تخرج اللعبة من يد اللاعبين.
عندها ينتهي الإيقاع.
لأن الحرب عندما تخرج من غرفة التحكم…
لا تعود تعرف من يقودها.
المخا ليست النهاية… ربما كانت الهمسة الأولى
ربما يكون الدرس الأكبر في قصة المخا أن الأحداث الكبرى لا تبدأ دائماً من العواصم.
أحياناً تبدأ من مدينة صغيرة.
من ميناء.
من سفينة.
من طائرة مسيّرة.
من صاروخ يسقط في مكان يظنه العالم بعيداً.
ثم تتحرك أسعار النفط.
وتتحرك شركات الملاحة.
وتتحرك حاملات الطائرات.
وتتحرك الدبلوماسية.
وتتحرك التحالفات.
ثم يكتشف العالم أن المدينة الصغيرة لم تكن سوى الحجر الأول في لعبة أكبر بكثير من حدودها.
ولهذا فإن السؤال لم يعد:
هل ستتوسع حرب اليمن؟
بل أصبح:
هل يجري استخدام اليمن والبحر الأحمر كجزء من عملية أوسع لإعادة ترتيب الشرق الأوسط؟
هل تتحرك واشنطن بسياسة الإيقاع والضغط والتفاوض؟
وهل تتحرك إسرائيل بسياسة منع الخصم من استعادة توازنه؟
وهل تحاول إيران كسر الإيقاع الأمريكي بتحويل المضائق والجبهات الإقليمية إلى أوراق تفاوض؟
وهل بدأت السعودية وتركيا وباكستان في بناء مظلة ردع إقليمية جديدة؟
والأهم…
هل نحن أمام شرق أوسط جديد، أم أمام نسخة أكثر خطورة من الشرق الأوسط القديم؟
ربما لا نملك الإجابة بعد.
لكننا نملك شيئاً آخر:
اتجاه الأحداث.
وفي السياسة، أحياناً يكون اتجاه الريح أهم من معرفة مكان العاصفة.
فقد لا يكون الأقوى هو من يطلق النار أولاً…
ولا من يملك أكبر عدد من الصواريخ…
بل من يستطيع أن يجعل خصمه يشعر بأن استمرار الحرب أصبح أكثر كلفة من قبول السلام.
وهنا تصبح المخا أكثر من مدينة.
ويصبح باب المندب أكثر من مضيق.
ويصبح هرمز أكثر من ممر نفطي.
وتصبح طهران أكثر من عاصمة.
وتصبح واشنطن وتل أبيب والرياض وأنقرة وإسلام آباد والقاهرة أجزاء من معادلة واحدة.
أما مصر…
فتبقى واقفة عند بوابة البحرين، تحمل تاريخها وجغرافيتها ومصالحها، وتدعو قبل كل شيء إلى أن تمر العاصفة من حولها لا من داخلها.
اللهم احفظ مصر من كل سوء، واحفظ شعبها وجيشها وأرضها، وألهم أهلها وقيادتها الحكمة والرشد، واجعلها دائماً أمناً وأماناً وسلاماً.
ففي الشرق الأوسط الجديد…
قد لا يكون السؤال:
من سيطلق الرصاصة الأخيرة؟
بل:
من سيملك القدرة على منع الرصاصة الأخيرة من الانطلاق؟
والمخا…
ربما لم تكن سوى الهمسة الأولى.
أما بقية الحكاية…
فما زالت تُكتب.
