حين حركت مكة قطع الشطرنج… اختارت مصر أن تصنع قواعد اللعبة!

السعودية وتركيا وباكستان في تحالف الردع... ومصر تحتفظ بالمفتاح

By nagah hegazy
 
 
 
 
      حين حركت مكة قطع الشطرنج... اختارت مصر أن تصنع قواعد اللعبة!                                                                          بقلم: د/ رمضان بلال
 
في مكة المكرمة، حيث تتجاوز الجغرافيا حدود المكان، وُلد في السابع من أغسطس 2026 اتفاق دفاعي ثلاثي بين السعودية وتركيا وباكستان، يقوم على قاعدة شديدة الدلالة: الاعتداء على دولة من الدول الثلاث يُعامل باعتباره اعتداءً على الجميع. وقد وصف وزير الخارجية التركي الاتفاق بأنه قريب تقنيًا من منطق المادة الخامسة في حلف الناتو، مع التأكيد الرسمي على أنه اتفاق دفاعي وليس موجّهًا ضد دولة بعينها.
لكن وسط كل هذا الصخب، يبرز سؤال أكثر أهمية:
أين مصر؟
ولماذا لم تكن القاهرة على طاولة التوقيع؟
هنا تحديدًا يجب أن نتوقف عن قراءة السياسة بعين المشجع، ونبدأ في قراءتها بعين الدولة.
فمصر ليست دولة تبحث عن مقعد في أي تحالف لمجرد أن تكون موجودة.
مصر نفسها ثقل استراتيجي.
والأهم أن مصر لم تكن بعيدة عن الثلاثي الذي اجتمع في مكة.
ففي 21 يونيو 2026، أي قبل أسابيع قليلة من اتفاق مكة، استضافت القاهرة اجتماع وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا وباكستان ضمن إطار R4، وأكدت الدول الأربع استمرار التشاور والتنسيق الاستراتيجي من أجل السلام والأمن والاستقرار في المنطقة.
وهنا تظهر المفارقة الجميلة:
الدول الأربع كانت تجلس معًا في القاهرة…
ثم وقّعت ثلاث منها اتفاقًا دفاعيًا في مكة.
هل يعني ذلك أن مصر خرجت من الحساب؟
أم أن مصر اختارت حسابًا آخر؟
مصر لا تحب الأقفاص الاستراتيجية
السياسة المصرية، تاريخيًا، تميل إلى الاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من حرية الحركة.
فمصر دولة عربية، وإفريقية، ومتوسطية، ودولة مشرفة على قناة السويس والبحر الأحمر، ولها حدود وملفات أمنية شديدة الحساسية في غزة وليبيا والسودان، فضلًا عن علاقاتها الدولية المتشعبة.
ولهذا فإن الدخول في التزام دفاعي جماعي قد يعني أن أزمة تقع في مكان بعيد تتحول غدًا إلى التزام عسكري مصري.
وهنا قد يكون القرار المصري بالغ الذكاء:
لماذا أوقّع على التزام عسكري إذا كان بإمكاني أن أكون شريكًا استراتيجيًا من دون أن أفقد حرية القرار؟
هذه ليست عزلة.
هذه مرونة استراتيجية.
ثلاث دول… وثلاث أوراق قوة
انظروا إلى المعادلة:
السعودية تمتلك الثقل الاقتصادي والطاقة والمكانة العربية والدينية والموقع الجغرافي.
تركيا تمتلك صناعة دفاعية متقدمة، وقوة عسكرية كبيرة، وعضوية في حلف الناتو.
باكستان تمتلك جيشًا كبيرًا وخبرة عسكرية عميقة، فضلًا عن كونها دولة نووية.
أي أن الاتفاق جمع:
المال + الصناعة العسكرية + الردع.
لكن مصر تمتلك تركيبة مختلفة:
الموقع + الكتلة البشرية + الجيش + قناة السويس + البحر الأحمر + العمق العربي + العمق الإفريقي + الخبرة الدبلوماسية.
ولهذا فإن دخول مصر إلى الاتفاق كان سيزيد قوته عسكريًا، نعم…
لكنه في الوقت نفسه كان سيجعل القاهرة جزءًا من محور محدد.
ومصر ربما لا تريد أن تكون جزءًا من محور.
مصر تريد أن تكون محورًا بذاتها.
وهنا تبدأ لعبة الشطرنج الحقيقية
قد يبدو المشهد لأول وهلة وكأن ثلاث دول تحركت وتركت الرابعة خارج اللعبة.
لكن القراءة العكسية تقول شيئًا مختلفًا تمامًا:
ربما كانت مصر هي الدولة الوحيدة التي لم ترغب في كشف أوراقها كاملة.
فإذا تطورت الأوضاع، تستطيع القاهرة أن تتحرك مع السعودية.
وإذا احتاج الأمر، تتعاون مع تركيا.
وإذا تعلق الأمر بالأمن الآسيوي والإسلامي، لديها قناة مع باكستان.
وفي الوقت نفسه تستطيع أن تتحدث مع أطراف أخرى لا تستطيع الدول المنخرطة في تحالف عسكري أن تتحدث معها بالمرونة نفسها.
وهذه ميزة لا تُرى في البيانات الرسمية.
إنها قوة المسافة.
أن تكون قريبًا من الجميع…
لكن لا تكون أسيرًا لأحد.
هل يمكن أن تنضم مصر لاحقًا؟
المثير أن الحديث عن توسع الاتفاق ليس افتراضًا من فراغ؛ فقد أشار وزير الخارجية التركي إلى إمكانية توسيع الترتيب، وذُكرت مصر باعتبارها مرشحة مستقبلية محتملة.
وهنا يصبح عدم الانضمام الآن أكثر قابلية للقراءة باعتباره تأجيلًا للقرار وليس رفضًا للفكرة.
فالدولة الذكية لا تدخل في تحالف استراتيجي قبل أن تعرف:
من هو العدو؟
ما طبيعة التهديد؟
ما حدود الالتزام؟
وما الذي ستدفعه؟
وماذا ستحصل عليه؟
والمفارقة أن الاتفاق نفسه ما زالت تفاصيله التنفيذية بحاجة إلى بلورة، إذ ينتظر استكمال آليات العمل واللجان والترتيبات العملية.
إذن…
لماذا تستعجل مصر؟
مصر قد تكون “المعادلة الرابعة” لا العضو الرابع
وهذه هي الزاوية التي أراها الأهم.
السعودية وتركيا وباكستان بنت مثلث ردع.
أما مصر فربما اختارت أن تبقى نقطة التوازن التي يمكن أن تتصل بالمثلث من الخارج.
وفي عالم يتحول بسرعة من التحالفات التقليدية إلى شبكات المصالح والردع المرن، قد تكون هذه المكانة أثمن من مجرد توقيع على ورقة.
فالقاهرة ليست بحاجة إلى أن تقول:
“أنا معكم”.
يكفي أن يعرف الجميع:
“مصر تستطيع أن تكون معكم عندما ترى أن مصلحة مصر والأمن الإقليمي يقتضيان ذلك.”
وهذا فرق هائل بين العضوية والاستقلال الاستراتيجي.
والأيام وحدها ستكشف الحقيقة
قد ينجح اتفاق مكة في التحول إلى مظلة دفاعية إقليمية أوسع.
وقد يبقى إطارًا سياسيًا وردعيًا أكثر منه تحالفًا عسكريًا متكاملًا؛ فحتى الآن ما زالت قدرته العملية وتفاصيل الالتزام العسكري بحاجة إلى اختبار.
لكن المؤكد أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة:
القوى الإقليمية بدأت تبحث عن أمنها بأيديها.
وفي هذه اللحظة تحديدًا، لا ينبغي أن نسأل فقط:
لماذا لم تدخل مصر؟
بل ينبغي أن نسأل:
هل احتفظت مصر بمقعدها خارج التحالف لأنها تريد أن ترى إلى أين تتجه العاصفة أولًا؟
ربما…
ففي السياسة الدولية، ليست كل دولة تقف خارج الصورة ضعيفة.
أحيانًا…
تكون الدولة التي لم تدخل الصورة هي التي تملك القلم الذي سيرسم الصورة التالية.
ومصر، بتاريخها وجيشها وموقعها وثقلها، ليست دولة تنتظر أن يمنحها أحد دورًا.
مصر هي التي تصنع الأدوار عندما تتغير قواعد اللعبة.
ولهذا، فإن اتفاق مكة قد يكون بداية تحالف جديد…
لكن السؤال الأهم سيبقى:
هل ستصبح مصر العضو الرابع؟
أم ستظل شيئًا أكبر من ذلك؟
صاحبة ميزان القوة… وصاحبة القرار المستقل.
تحيا مصر 🇪🇬
تحيا مصر قويةً آمنةً عزيزةً،
وتحيا إرادة شعبها، ويبقى جيشها درع الوطن وسيفه.
 
Share This Article
Leave a review

"شاركنا برأيك.. يسعدنا سماع وجهة نظرك"

error: Content is protected !!