بقلم: د/ رمضان بلال
في عالمٍ لا تُقاس فيه قوة الدول بما تملكه من سلاح فحسب، بل بما تستطيع أن تحمي به أرضها، وتصون قرارها، وتحافظ به على أمن شعبها ومصالحها، تأتي أرقام تصنيفات القوة العسكرية لتفتح بابًا واسعًا للتأمل.
وإذا كان التصنيف الذي نتناوله هنا يضع مصر في المركز الثاني عشر عالميًا، وإسرائيل في المركز الخامس عشر، فإن الرقم لا ينبغي أن يكون مناسبة للغرور، بقدر ما هو مناسبة لقراءة عميقة لمسيرة دولة أدركت مبكرًا أن حماية السلام لا تعني أبدًا التخلي عن أسباب القوة.
مصر… قوة لا تبحث عن الحرب
القوة المصرية ليست وليدة صفقة سلاح واحدة، ولا مرتبطة بمنظومة تسليح منفردة.
إنها حصيلة تراكم طويل من الخبرة العسكرية، والقوة البشرية، والتنوع في مصادر التسليح، وتطوير القوات الجوية والبحرية والدفاع الجوي، والقدرة على حماية الحدود والممرات والمصالح الاستراتيجية.
والأهم من ذلك كله أن مصر تمتلك عنصرًا لا يظهر بسهولة في جداول الأرقام:
خبرة الدولة المصرية في إدارة الأزمات، وامتلاك القرار الوطني المستقل.
فمصر لا تبني قوتها استعدادًا للعدوان، وإنما تبنيها حتى لا يُفكَّر أصلًا في الاعتداء عليها.
الجيش المصري… مدرسة وطنية
حين نتحدث عن القوات المسلحة المصرية، فإننا لا نتحدث عن دبابات وطائرات وسفن فقط.
نتحدث عن مؤسسة وطنية ارتبط تاريخها بتاريخ الدولة المصرية الحديثة، وحملت عبر عقود طويلة مسؤولية الدفاع عن الأرض والحدود والسيادة.
ومن هنا فإن تطوير الجيش المصري ليس ترفًا، ولا سباقًا دعائيًا مع أحد؛ بل هو ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة الإقليم، واتساع حدود مصر، وموقعها الجغرافي الفريد، وما تشهده المنطقة من تحولات متسارعة.
إن مصر القوية عسكريًا هي مصر الأكثر قدرة على حماية قرارها السياسي، وتأمين مصالحها، ودعم استقرار المنطقة.
وماذا يعني أن تتقدم مصر على إسرائيل في التصنيف؟
الأرقام وحدها لا تصنع ميزانًا استراتيجيًا كاملًا.
فالحروب الحديثة تُحسم بتكامل عناصر القوة:
التكنولوجيا، والاستخبارات، والدفاع الجوي، والقوة الجوية، والبحرية، واللوجستيات، والاقتصاد، والقدرة على الاستمرار، والعمق الجغرافي، والإرادة السياسية.
ولهذا فإن قراءة تقدم مصر ينبغي ألا تكون من زاوية المنافسة مع إسرائيل وحدها.
الأصح أن نسأل:
هل أصبحت مصر أكثر قدرة على حماية أمنها القومي؟
والإجابة التي تفرض نفسها هي أن مسار بناء القوة المصرية خلال السنوات الأخيرة يستحق الدراسة بجدية، بعيدًا عن المبالغة وبعيدًا أيضًا عن التقليل.
مصر لا تريد الحرب… لكنها لا تخشاها
هذه هي المعادلة المصرية التي يجب أن يفهمها الجميع.
مصر دولة تدعو إلى السلام، وتدعم الاستقرار، وتفتح أبوابها للحوار، لكنها في الوقت نفسه تعرف أن السلام بلا قوة قد يتحول إلى أمنية، وأن الردع هو أحد أهم ضمانات السلام.
ولهذا فإن قوة الجيش المصري ليست تهديدًا لجيرانه، وإنما عنصر من عناصر الاستقرار الإقليمي عندما تُدار بعقل الدولة ومسؤوليتها.
تحية إلى مصر
تحية إلى مصر…
إلى أرضٍ حملت حضارة سبقت كثيرًا من خرائط العالم.
تحية إلى شعبها العظيم، الذي أثبت عبر التاريخ أنه قادر على الصمود في أصعب الظروف.
وتحية إلى رجال القوات المسلحة المصرية، الذين يحملون مسؤولية الدفاع عن وطنٍ لا يشبه أي وطن آخر.
وتحية إلى قيادة مصر، التي تدرك أن بناء الدولة لا يكون بالكلمات، وإنما بالعمل، وبناء المؤسسات، وتعزيز الاقتصاد، وتطوير القوات المسلحة، وحماية القرار الوطني.
اللهم احفظ مصر وشعبها، واحفظ جيشها العظيم، ووفّق قادتها لما فيه خير الوطن، واجعل مصر دائمًا بلد أمن وأمان وسلام، واحفظ أرضها وحدودها وسيادتها.
فمصر القوية ليست خطرًا على أحد…
بل هي أمانٌ لنفسها، وسندٌ لاستقرار منطقتها، وحصنٌ من حصون الأمة.
د/ رمضان بلال
مصر… حين تمتلك القوة، تختار السلام من موقع القادر لا من موقع العاجز.
إذا أعجبك هذا التحليل، تابعنا؛ فالقادم قراءة أعمق في عناصر القوة المصرية التي لا تظهر كلها في جداول التصنيفات.
