نفحات الجمعة.. قراءة في المشهد العالمي بين وعي الإيمان وحكمة السياسة
تناولاً لمقال: د/عيد كامل حافظ النوقي
بقلم: د/ رمضان بلال
أكاديمية العبادي للأدب والسلام
ليس كل نصٍ سياسي يُقرأ بالعقل وحده، فبعض النصوص تستدعي القلب قبل الفكر، لأنها لا تكتفي بعرض الوقائع، بل تسعى إلى صناعة الوعي، وربط الإنسان برسالته وهو يواجه اضطراب العالم. وهذا ما شعرتُ به وأنا أطالع مقال الدكتور عيد كامل حافظ النوقي؛ إذ لم أجد أمامي مجرد تحليلٍ للصراع الأمريكي الإيراني، وإنما وجدت رحلةً فكرية تبدأ من نور الآية الكريمة، ثم تمضي بالقارئ بين خرائط السياسة، حتى تعيده في النهاية إلى محراب الدعاء، وكأن الكاتب يريد أن يقول: إن صناعة المستقبل تبدأ من إصلاح الإنسان قبل إصلاح الخرائط.
كان المشهد في المقال أشبه بمسافرٍ يقف على قمة جبل، ينظر إلى العالم من علٍ؛ فلا يرى دولةً تعادي أخرى فحسب، بل يرى شبكةً معقدة من المصالح، تتداخل فيها القوة والاقتصاد، والطاقة، والتاريخ، والعقيدة، والجغرافيا. وهنا تتجلى قيمة النص؛ إذ تجاوز القراءة السطحية للأحداث إلى محاولة فهم السنن التي تحكم حركة الأمم.
ومن يقرأ المقال يكتشف سريعًا أن صاحبه لا يكتب بعين السياسي وحده، ولا بقلب الواعظ وحده، وإنما يمزج بين الاثنين في توازنٍ نادر. فهو يبدأ بالقرآن، ثم ينتقل إلى التحليل الاستراتيجي، ثم يعود إلى القيم الإسلامية، وكأن المعرفة عنده دائرةٌ لا ينفصل فيها الدين عن العمران، ولا الأخلاق عن السياسة.
ولعل أجمل ما يلفت الانتباه في هذا النص أنه لم ينزلق إلى خطاب التحريض أو الانفعال، بل حافظ على لغةٍ هادئة، تعتمد المنطق، وتستند إلى مراجع علمية دولية، وهو ما يمنحه قدرًا كبيرًا من المصداقية. فالكاتب لم يبنِ رأيه على الشعارات، بل أقامه على التقارير والدراسات، ثم صاغها بلغة عربية رفيعة أقرب إلى المقال الأدبي منها إلى التقرير السياسي الجاف.
الكاتب كما يكشفه نصه
النص يكشف عن شخصيةٍ تؤمن بأن الفكر مسؤولية، وأن الكلمة أمانة. فالكاتب يمتلك عقلًا تحليليًا، ونفسًا إصلاحية، وروحًا مؤمنة ترى أن النهضة لا تُصنع بالصدام، بل ببناء الإنسان، والتعليم، والعلم، والوحدة.
كما يظهر فيه ميلٌ واضح إلى الرؤية الحضارية؛ فهو لا يقف عند حدود توصيف الأزمة، بل يبحث عن طريق الخروج منها، ويجعل مستقبل الأمة هو محور اهتمامه، لا مجرد متابعة تفاصيل الصراع.
إلى أي مدرسة ينتمي؟
يمكن القول إن الدكتور عيد كامل حافظ النوقي ينتمي إلى مدرسة الفكر الحضاري الإسلامي المعاصر، التي تجمع بين قراءة الواقع السياسي، واستحضار المرجعية الإسلامية، والإيمان بأن الإصلاح الحقيقي يبدأ ببناء الإنسان.
ومن الناحية الأدبية، يقترب أسلوبه من مدرسة المقال الفكري الإصلاحي التي سار عليها أعلام مثل محمد الغزالي، ومالك بن نبي، ومحمد عمارة؛ حيث تمتزج البلاغة بالفكرة، ويتجاور البيان مع البرهان، دون إفراط في الزخرفة أو جفاف في العرض.
قراءة نقدية
ومن باب الإنصاف، فإن أي نص قابل للتطوير. ولو أضيف إلى هذا المقال شيء، لكان مزيدًا من الأمثلة التاريخية المقارنة، التي تُبرز كيف تعاملت أمم أخرى مع صراعات مشابهة، كما أن بعض المحاور كان يمكن دمجها لتقليل التكرار، وإضفاء مزيد من الإيقاع على البناء العام.
غير أن هذه الملاحظات لا تنتقص من قيمة المقال، بل تؤكد أنه نص يمتلك أساسًا فكريًا متينًا، ويستحق أن يكون مادة للحوار والنقاش في الأوساط الثقافية والفكرية.
تحية إلى الكاتب
إلى الدكتور عيد كامل حافظ النوقي…
لقد كتبتَ مقالًا لا يكتفي بوصف العالم، بل يدعو إلى فهمه، ولا يزرع الخوف من المستقبل، بل يغرس الأمل في القدرة على صناعته. جعلتَ من “نفحات الجمعة” نافذةً يلتقي فيها الإيمان بالوعي، والسياسة بالأخلاق، والتحليل بالدعاء.
دمتَ قلمًا يكتب بعقل المفكر، وضمير المصلح، ولسان الأديب، وجعل الله كلماتك نورًا يهدي إلى الحكمة، وعلمًا يُنتفع به، وأثرًا يبقى في سجل الكلمة الصادقة.
والله نسأل أن يحفظ أوطاننا، وأن يجمع كلمة الأمة على الحق، وأن يرزقها الأمن والاستقرار، وأن يفرّج الكرب عن أهلنا في فلسطين وغزة، وأن يكتب لهذه الأمة نهضةً تقوم على العلم والإيمان والعمل.
