بسملة.. حين تتحول الطفولة إلى مصدر دخل
وهنا يجب أن نتوقف أمام مفهوم خطير بدأ يتسلل إلى بعض البيئات الفقيرة: اعتبار عمل الطفل «مساعدة للأسرة».
قد تكون الأسرة فقيرة، وقد تكون احتياجاتها أكبر من قدرتها، وقد يعاني الأب أو الأم من البطالة أو المرض أو العجز عن توفير احتياجات المنزل، لكن الفقر لا يحول الطفل إلى قوة عمل بديلة عن الكبار.
الطفل ليس مشروع دخل، وليس من العدل أن يدفع ثمن الظروف الاقتصادية لأسرته من صحته وتعليمه وطفولته.
وفي المقابل، فإن تحميل الأسرة وحدها كل المسؤولية ليس حلًا أيضًا؛ لأن مكافحة عمالة الأطفال تحتاج إلى مواجهة أسبابها، وعلى رأسها الفقر، والتسرب من التعليم، وضعف الحماية الاجتماعية، وسوق العمل غير الرسمي، والجهات التي تستفيد من العمالة الرخيصة.
هل كانت بسملة تعمل؟ ومن كان يشغلها؟
إذا أثبت التحقيق أن الطفلة كانت تعمل بالفعل في أعمال زراعية وهي في الثانية عشرة من عمرها، فإن الأمر لا يتعلق فقط بكونها حصلت على أجر مقابل العمل.
السؤال القانوني الأهم هو:
من قام بتشغيلها؟ ومن نظم العمل؟ وما طبيعة المهمة التي كانت تؤديها؟ وكم ساعة كانت تعمل؟ وهل كان العمل يهدد سلامتها أو صحتها أو يعوق تعليمها؟ ومن كان مسؤولًا عن نقلها؟ هذه الأسئلة يجب أن توجه التحقيق.
أما ما يُنسب إلى والدها من تصريحات أو مواقف، فيجب التعامل معه بحذر، فلا يجوز الجزم بأنه استغل ابنته أو تعمد تشغيلها أو ادعى المرض دون مستندات وتحقيقات تثبت ذلك.
لكن إذا ثبت قانونًا أن ولي الأمر شارك في تشغيل طفل بالمخالفة للقانون، فإن القانون المصري نفسه يتضمن نصًا صريحًا يحظر على الأبوين أو متولي أمر الطفل تشغيله بالمخالفة لأحكام قانون العمل والقرارات التنفيذية الصادرة له. وهذا ما تنص عليه المادة 68 من قانون العمل رقم 14 لسنة 2025.
القانون المصري واضح في حماية الطفل
1. الدستور المصري
تنص المادة 80 من الدستور المصري على أن الطفل هو كل من لم يبلغ الثامنة عشرة من عمره، وتكفل له الدولة حقوقًا متعددة، من بينها الحماية من العنف والإساءة وسوء المعاملة والاستغلال التجاري والجنسي.
كما تحظر تشغيل الطفل قبل تجاوزه سن إتمام التعليم الأساسي، وفي الأعمال التي تعرضه للخطر.
وهذا يعني أن حماية الطفل من العمل الخطر ليست مجرد توصية اجتماعية، وإنما هي التزام دستوري على الدولة والمجتمع.
2. قانون العمل رقم 14 لسنة 2025
ومع دخول قانون العمل الجديد رقم 14 لسنة 2025 حيز التنفيذ، أصبح تنظيم تشغيل وتدريب الأطفال أكثر وضوحًا:
المادة 61: تعتبر كل من لم يبلغ 18 سنة طفلًا في تطبيق أحكام الفصل الخاص بتشغيل الأطفال.
المادة 62: تنص على حظر تشغيل الأطفال قبل بلوغ 15 سنة، مع السماح بالتدريب من سن 14 سنة وفق الضوابط القانونية وبما لا يعوق مواصلة التعليم.
وبالتالي، فإن طفلًا في الثانية عشرة من عمره لا يدخل أصلًا في السن العامة المسموح بتشغيلها وفق قانون العمل الجديد.
كما يفرض القانون مجموعة من الضوابط على تشغيل الأطفال في الحالات التي يسمح بها، ومنها تنظيم ساعات العمل وفترات الراحة وإبلاغ الجهة الإدارية المختصة ببيانات الأطفال والأعمال المكلفين بها.
وتحظر المادة 68 على الأبوين أو متولي أمر الطفل تشغيله بالمخالفة للقانون والقرارات التنفيذية.
وهذه نقطة شديدة الأهمية في قضية بسملة: المسؤولية القانونية لا تُحدد عبر مواقع التواصل، وإنما وفق الوقائع التي يثبتها التحقيق، وبالنظر إلى دور كل طرف في تشغيل الطفل أو نقله أو تعريضه للخطر.
فحتى عندما يكون الطفل قد بلغ السن التي يسمح فيها القانون بالعمل، لا يعني ذلك أنه يستطيع القيام بأي عمل وفي أي ظروف.
فالعمل الذي يعرض صحة الطفل أو سلامته أو أخلاقه للخطر محظور، وتوجد قائمة بالأعمال والمهن والظروف الخطرة التي يحظر تشغيل الأطفال فيها، وفق القرار الوزاري رقم 215 لسنة 2021.
وتشير منظمة العمل الدولية إلى أن القرار يحدد سن 18 عامًا كحد أدنى للأعمال الخطرة في مصر، ويحظر تشغيل الأطفال دون هذا السن في الأعمال التي تعرض صحتهم أو سلامتهم أو أخلاقهم للخطر.
ومن أمثلة الأعمال الخطرة، بحسب المعايير الدولية:
الأعمال التي تتضمن حمل أوزان ثقيلة.
التعامل مع آلات خطرة.
العمل في ظروف قاسية.
العمل لساعات طويلة أو ليلًا.
وهذا يجعل السؤال عن طبيعة العمل الزراعي الذي كان يؤديه الطفل أمرًا ضروريًا، لأن وصف العمل بأنه «زراعي» لا يجعله تلقائيًا عملًا آمنًا أو مسموحًا به للأطفال.
قانون الطفل.. حماية إضافية
اتفاقيتا منظمة العمل الدولية (138 و182)
على المستوى الدولي، توجد اتفاقيتان أساسيتان لمنظمة العمل الدولية بشأن عمالة الأطفال:
الاتفاقية رقم 138 بشأن الحد الأدنى لسن الاستخدام: التي تهدف إلى القضاء الفعلي على عمالة الأطفال من خلال تحديد حد أدنى للسن، وربط ذلك بسياسات التعليم والحماية الاجتماعية.
الاتفاقية رقم 182 بشأن أسوأ أشكال عمل الأطفال: التي تلزم الدول باتخاذ إجراءات فورية وفعالة للقضاء على أخطر أشكال استغلال الأطفال.
ومصر صادقت على الاتفاقية 138 في 9 يونيو 1999، وعلى الاتفاقية 182 في 6 مايو 2002، وكلتاهما نافذتان بالنسبة إلى مصر.
كما تؤكد منظمة العمل الدولية أن القضاء على عمالة الأطفال لا يتحقق بالقوانين وحدها، بل يحتاج إلى:
معالجة الفقر.
توفير العمل اللائق للبالغين.
ضمان التعليم.
«النعوش الطائرة».. الوجه الآخر للمأساة
لا تجعلوا مأساة بسملة مادة للتشهير
إن مأساة «بسملة» ـ إذا ثبتت تفاصيلها التي تتداولها المصادر والصور ـ ليست قضية أب أو أسرة فقط، وليست قضية سائق أو مركبة فقط؛ بل هي اختبار حقيقي لمنظومة حماية الطفل والعمل والنقل والرقابة الاجتماعية.
فالقانون المصري يضع حدًا أدنى لسن العمل ويحظر تشغيل الأطفال في الأعمال الخطرة، والدستور يكفل حماية الطفل من الاستغلال، واتفاقية حقوق الطفل تحظر الاستغلال الاقتصادي والعمل الذي يهدد صحة الطفل أو تعليمه، كما أن مصر ملتزمة باتفاقيتي منظمة العمل الدولية (138) و(182) بشأن الحد الأدنى لسن العمل وأسوأ أشكال عمالة الأطفال.
لكن قيمة هذه النصوص لا تظهر في الكتب، وإنما في قدرتها على حماية الطفل قبل أن تقع الكارثة.
رحم الله بسملة وكل من فقدوا حياتهم، وشفى المصابين، وربط على قلوب أسر الضحايا. ولعل الرسالة الأهم التي يجب أن تبقى بعد رحيلها هي: الطفل ليس عاملًا رخيصًا، والفقر ليس تصريحًا لاستغلاله، والعامل ليس حمولة، والطريق ليس ساحة للمغامرة بأرواح البشر.
إذا أردنا أن نحترم بسملة حقًا، فعلينا ألا نكتفي بالبكاء عليها، بل أن نمنع أن تكون هناك «بسملة» أخرى تستيقظ فجرًا لتذهب إلى العمل.. ثم لا تعود إلى بيتها أبدًا.
منصة غرد بالمصري
تغطية شاملة ومستمرة على مدار الساعة
"نحن لا ننقل الخبر فحسب، بل نضعكم في قلب الحدث برؤية تحليلية واعية، لنواكب نبض الشارع المصري والعربي لحظة بلحظة."
